سياط العم سام وخناجر "الأوفاك"
*المحامي رفيق أورى وليد غريزي
يا أصدقائي، لطالما آمنتُ بأن التاريخ ليس مجرد تراكم للأيام، بل هو مسرح للموازين المتصلبة التي لا ترحم الضعفاء، واليوم نجد أنفسنا نقف مذهولين أمام فلسفة الإمبراطورية الأميركية الحديثة التي استبدلت البوارج الحربية والمارينز بسلاح خفي، ناعم لكنه قاتل، اسمه "العقوبات الاقتصادية". فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً مع قوانين الرسوم والتحكم بالتبادل التجاري، بدأت واشنطن صياغة مفهوم "العقوبات" كأداة للهيمنة وإخضاع المتمردين.
الأسباب الموجبة؟ دائماً جاهزة في أدراج البيت الأبيض: حماية حقوق الإنسان، مكافحة الإرهاب، أو منع انتشار الأسلحة. لكن في باطن الأمر، هي عملية تقليم لأظافر كل من يجرؤ على الخروج من الفلك الأميركي. لقد طالت هذه السياط دولاً بأكملها، وأحزاباً، وهيئات تفوق الحصر؛ من كوبا القابعة تحت الحصار منذ عقود، إلى الدب الروسي، والجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوريا والعراق واليمن والسودان.
وفي قراءة متأنية للجغرافيا اللبنانية، دخل هذا البلاء إلى ساحتنا رسمياً مع صدور الأمر التنفيذي الرقم 13441 في الأول من آب عام 2007 تحت مسمى "تجميد ممتلكات الأشخاص الذين يقوّضون سيادة لبنان أو عملياته ومؤسساته الديموقراطية".
ويا للمفارقة! يُساق مبرر "حماية السيادة" لخرق السيادة نفسها. تدرجت هذه العقوبات لتطال قطاعات واسعة، وبدأت تطارد الكيانات المرتبطة بـ"حزب الله"، ورجال أعمال كالإخوة تاج الدين عام 2010. ثم انفتحت الشهية لتشمل الحلفاء السياسيين والمقربين؛ من الوزراء السابقين كعلي حسن خليل ويوسف فنيانوس، إلى رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بتهم الفساد السياسي والمالي.
ولم تقف القافلة هنا، بل وصلت مؤخراً في أيار من عام 2026 إلى ذروة خطيرة وغير مسبوقة استهدفت قلب المؤسسات الرسمية؛ حيث طالت سياط "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" (الأوفاك) تسع شخصيات دفعة واحدة، بينهم نواب كبار في البرلمان اللبناني كحسن فضل الله، وحسين الحاج حسن، وعلي فياض، ومحمد فنيش، إلى جانب قادة أمنيين رسميين في الجيش والأمن العام كالعميد خطار ناصر الدين والعقيد سمير حمادي، بتهمة تقديم الدعم والتسهيلات للمقاومة وعرقلة مسار السلام.
ماذا تعني هذه العقوبات في لغة الإجراءات الحسية واليومية؟
إنها تعني باختصار "الإعدام المدني والمالي". بمجرد إدراج اسم شخص أو كيان على لائحة "الأوفاك"، تتجمد كل أصوله وممتلكاته التي تقع تحت الولاية الأميركية أو في حوزة أشخاص أميركيين. تُلزم المصارف العالمية، خوفاً على مصالحها، بقطع أي صلة بالمعاقَب، ويُحظر على الشركات بنسبة 50% أو أكثر التعامل معه.
هنا يكمن منبع الخوف؛ فالمرء لا يخشى السجن الأميركي، بل يخشى الاختناق المالي، والتحول إلى شبح معزول لا يستطيع تحويل مئة دولار عبر نظام "سويفت" الدولي، ولا يملك القدرة على السفر أو التجارة، ما يدفعه دفعاً إلى المقصلة السياسية. فالعقوبات ليست مجرد حبر على ورق، بل هي ترجمة فظة لغرفة تحكم تُدير نبض المال في العالم، وفي هذا تتصادم العقوبات تصادماً صارخاً مع سيادة الدول؛ حيث تفرض دولة واحدة تشريعاتها الداخلية عابرة للقارات والحدود، متجاوزة ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يجيز فرض عقوبات قسرية إلا عبر مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع.
وهنا نصل إلى بيت القصيد وسؤال الساعة حول التحركات المكوكية الأخيرة لرئيس مجلس النواب نبيه بري وإعلانه المفاجئ للإدارة الأميركية عن استعداد "حزب الله" لوقف إطلاق نار فوري وتعهده بضمان التنفيذ. هل هو الخوف من العقوبات كما يروج الصقور في واشنطن والداخل؟

الحقيقة السياسية في قراءتي أعمق من ذلك بكثير. نعم، الضغط صار هائلاً، والعقوبات الأخيرة التي طالت دائرته اللصيقة كمسؤول أمن حركة أمل أحمد بعلبكي وعلي صفاوي كانت بمثابة "رسائل خشنة" موجهة مباشرة إلى عين التينة لإجبارها على السير في فلك المفاوضات المباشرة مع إسرائيل والتخلي عن "حزب الله".
لكن نبيه بري، بصفته ثعلب السياسة اللبنانية وحارس توازناتها، لا يتحرك بدافع الخوف الذاتي على ثروة أو منصب؛ بل يتحرك انطلاقاً من "براغماتية البقاء" واستشعاراً بالخطر الوجودي على ما تبقى من هيكل الدولة اللبنانية. هو يدرك أن الاستمرار في رفض الصيغ الأميركية قد يجر عقوبات شاملة على عائلته أو يشل البرلمان بالكامل. فتحركُه بالأمس كان مناورة إنقاذية لتفصيل تسوية تجنب الطائفة الشيعية ولبنان كأساً مسمومة، محاولاً امتصاص الهجمة الأميركية القصوى من دون إعلان الاستسلام الكامل.
وإذا دققنا في متن القانون الدولي واجتهادات المحاكم العالمية، نجد أن محكمة العدل الدولية لم تحسم يوماً شرعية هذه العقوبات الأحادية، بل لطالما اعتبرت في أدبياتها ومحاضرها، لا سيما عند تفعيل المادة 38 من نظامها الأساسي، أن آراء كبار الفقهاء والمبادئ العامة للقانون الدولي تحظر استخدام التدابير القسرية التي تلحق الضرر بالشعوب وتنتهك مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ولنا في التاريخ أمثلة حسية فاقعة على وحشية هذه الإجراءات:
- الأصول الإيرانية: تجميد مليارات الدولارات التابعة للبنك المركزي الإيراني في المصارف الأوروبية والآسيوية وحظر مبيعات النفط.
- اليخوت والأموال الروسية: مصادرة ممتلكات ويخوت رجال الأعمال الروس (الأولغارش) المقربين من الكرملين وتجميد احتياطيات موسكو بالدولار عقب حرب أوكرانيا.
- عملاق التكنولوجيا الصيني "هواوي": حظر تزويد الشركة بـرقاقات أشباه الموصلات الأميركية ومنع نظام "أندرويد" عنها، واعتقال مديرتها المالية في كندا بتهمة انتهاك العقوبات.
هل يمكن التمرد على هذه المنظومة؟ تشكلت نواة دولية لمجابهة هذه المتظومة والتمرد عليها، حتى الآن لم تفلح، وفي جميع الأحوال كلفة التمرد هذا باهظة جدا. التمرد يتطلب بناء اقتصادات موازية وخارجة عن نظام الدولار، كالتحالفات التي تنشأ بين روسيا والصين وإيران لاعتماد العملات المحلية وتبادل السلع خارج نظام "سويفت". أما تبعات التمرد على الدول الضعيفة أو الأفراد، فهي الانهيار النقدي الشامل، ونقص الدواء والمستلزمات الحيوية، والتحول إلى "دولة مارقة" معزولة تعيش على الهامش الاقتصادي.
وفي الخلاصة، كيف نحصن لبنان من هذه المقصلة المسلطة فوق رقابنا؟ إن التحصين لا يكون بالشعارات الرنانة ولا بالانتحار الجماعي. يحتاج لبنان إلى صياغة رؤية قانونية واقتصادية متكاملة، تتناغم مع آراء كبار الفقهاء. الفقهاء الأميركيون أنفسهم، من المدرسة الواقعية، يقرون بأن العقوبات تصبح بلا جدوى إذا اصطدمت ببيئة وطنية متماسكة.
والفقهاء الأجانب في جنيف وبروكسل يشددون على ضرورة لجوء الدول إلى "قوانين الحظر" Blocking Statutes لحماية شركاتها ومواطنيها من مفاعيل القوانين الأميركية الخارجية. أما كبار الفقهاء الدستوريين اللبنانيين، فيرون أن التحصين الحقيقي يبدأ من الداخل: بانتظام عمل المؤسسات الدستورية، إصلاح القطاع المصرفي ليكون ممتثلاً للمعايير الدولية بذكاء دون استسلام، وبناء اقتصاد إنتاجي حقيقي يقلل من الارتهان للخارج.
إنها دعوة إلى العقل والتعقل؛ فإما أن نتوافق على حماية السقف المشترك، أو نبقى ضحايا في غابة دولية لا تعترف إلا بالقوي، وحذارِ من التمادي في الرهانات الخاطئة، فالذئاب تتربص عند الحدود وفي غرف المال المظلمة!
نبض