لبنان المسكين بين رؤية المواطن الصالح الذي يعاني وحكومات تصريف الأعمال
مسكين هو لبنان الذي حكمه ويحكمه ظلّ الشيء لا حقيقته، فالكل يعيش لتصريف الأعمال منذ أكثر من قرن من الزمن... لم نجد يوماً فيه مجموعة مفكرين تتلاقى لكي تنتج نخبة حقيقية ترفع شأن الوطن، تمتلك الشكل وتحترف المضمون في آن واحد وتبني إذ تعالج الأمور بعمقها الحقيقي وبعدها الإنساني.
اخترع بعضهم الطائفية ممسحة لكل شواذ، وابتدع آخرون العصبية للتغطية والتعمية، وصار كل واحد يؤذي جماعته أكثر من الآخرين (هي جماعة يخترعها لغاياته) ويرمي الاتهام على الغير... فاشلون يؤذون أكثر مما يفيدون. ويتسمّرون على كراسي الحكم وكأن لا نهاية للأمر.
الحكومات تتوالى بسرعة الطوفان، وكلها تضع بياناً وزارياً لتصريف الأعمال (الشكل كامل). أما في المضمون فلم نجد يوماً موازنة تستند إلى خطة أو رؤية، ولم نسمع يوماً بقانون يصدر ويرفع مستوى الحياة ويرقى بالإنسان إلى الأعلى.
أكثر من 95% مهووس بالربح القبيح، منه المادي ومنه المعنوي، وما إليهما من مبادلات.
الأنانية بقيت كما هي، ولم يهتمّ أحدٌ يوماً، بمشكلة الخوف الداخلي، ولا أحد داوى القلق على المصير، بل تفاقمت هواجس الناس وانزلقت بهم إلى الهاوية صحّياً ومَرضياً واجتماعياً دون عناية أو رعاية...

ففيما تتركز إرادة الله (عز جلاله) من الخلق، في نعمة عيش الإنسان بسلامه وفرحه كل حياته، نجد الكل منشغلاً بالشكل، انتخابات، موازنة، استحقاقات، وهي تتم في الشكل وكأنها على أكمل وجه، في وقت لم يلمس فيه أحد أيّ حكمة في المضمون.
اكتمال الشكل لا يعني أيّ إضافة على المضمون، فالفقر يزداد، ومخالفة القانون تسمّى "شطارة"، والتسويات تتسلل إلى القوانين وتدمّرها. السكن الآمن مفقود والأمان حاصل جزئياً دون الوصول إلى الأطمئنان الكافي.
التربية معدمة مع تعليم مربح، البيئة مضروبة بيد الناشطين في ميادينها، والتنمية محطمة بجهل الفاعل، أمّا الإنماء فعليه مجلس يصلح أن يكون نموذجاً في الفشل، يكشفه تقييم متجرد، لا تخطيط ولا رؤية.
وهكذا يرزح المواطن تحت ثقل القروض التي يُفرض عليه تسديدها هو وحده، لأجيال، فيتورّط وحده بها بما لم يقرّره هو – أنواع سرقات تتطلّب مجلدات لسردها..!!!
يوماً، في طرابلس، ينتظرون سقوط مبنى ليتحركوا والجميع يعمل بالطريقة ذاتها (ردة الفعل) – ومساحة الوطن مليئة بمبانٍ في غاية الخطر. هم لا يتحركون ولا يأبهون إلا ساعة الانهيار (الصورة تكون أثمن وأسمن).
المواطن الصالح صاحب رؤية وطنية دون ضجيج، صار هو المطلوب وكذلك كل من يسمعه ويتجاوب مع علمه وحكمته ومواطنيته النموذجية. الرؤية الوطنية ليست عبارة عابرة، بل هي نهج حياة لا يتهرب معتنقها من المسؤولية، ولا يتحجج بالعوائق المادية، بل ينتصر عليها كلها ويتفوّق بالفكر الراجح والتعمّق في المضمون الصالح والصادق – هو يعمل في الحق وللحق.
في كل مجالات الحياة صرنا نتوق لأن نرى تدبيراً مفيداً، من الكوارث إلى الطريق والنقل، إلى المسكن والمستشفى فالمصنع ودورة الحياة بكليتها تتطلب مَن يعتني بالناس بصدق وتفانٍ. نريد رجال علم ومسؤولية حقيقية، لا تصريف أعمال، نريد المسؤول الفاهم العالم الذي يتدبّر الأمور بحكمة دون ضجيج..!! لا ينام قبل أن ينجز عمله.
نبض