عبدالله بن حمد العطية: ذكرى جميلة يصعب أن تغيب

منبر 03-06-2026 | 11:52

عبدالله بن حمد العطية: ذكرى جميلة يصعب أن تغيب

في السياسة العربية، نادراً ما يُجمع الناس على رجل. السياسة هنا غالباً مساحة انقسام، لا مساحة محبة. وحين يرحل مسؤول عربي كبير، تنشغل العواصم عادةً بسرد المناصب والألقاب والإنجازات الرسمية. لكن هناك رجال يتركون شيئاً أعمق من السلطة: يتركون أثراً إنسانياً يجعل الناس يشعرون أن الدولة يمكن أن يكون لها وجه دافئ أيضاً.
عبدالله بن حمد العطية: ذكرى جميلة يصعب أن تغيب
نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الطاقة والصناعة القطري الأسبق عبدالله بن حمد العطية. (اكس)
Smaller Bigger
المحامي صائب مطرجي - رئيس جمعية الصداقة اللبنانية - القطرية

 

في السياسة العربية، نادراً ما يُجمع الناس على رجل. السياسة هنا غالباً مساحة انقسام، لا مساحة محبة. وحين يرحل مسؤول عربي كبير، تنشغل العواصم عادةً بسرد المناصب والألقاب والإنجازات الرسمية. لكن هناك رجال يتركون شيئاً أعمق من السلطة: يتركون أثراً إنسانياً يجعل الناس يشعرون أن الدولة يمكن أن يكون لها وجه دافئ أيضاً.

عبد الله بن حمد العطية كان من هذا النوع النادر.

برحيله، لا تخسر قطر نائب رئيس وزراء ووزير نفط سابقاً ساهم في بناء نهضتها الحديثة فحسب، بل يخسر لبنان أيضاً صديقاً حقيقياً أحبّه محبةً صادقة قلّ نظيرها في عالم السياسة.

لم يكن العطية بالنسبة إلى اللبنانيين مجرد مسؤول خليجي رفيع. كان اسماً ارتبط بصورة الرجل الذي فتح قلبه للبنان كما فتح له أبواب قطر. رجلٌ فهم أن العلاقات بين الدول لا تُبنى بالمصالح والاتفاقات فحسب، بل أيضاً بالاحترام الإنساني، والاحتضان، والشعور الصادق حيال الناس.

وفي بلد مثل لبنان، حيث يختلف اللبنانيون على كل شيء تقريباً، نجح عبد الله بن حمد العطية في تحقيق أمر نادر: محبة عابرة للطوائف والسياسة والانقسامات. حتى إن كثيرين كانوا يقولون، بنصف مزاح ونصف حقيقة، إنه لو كان يُسمح للقطريين بالترشح للانتخابات اللبنانية، لكان قادراً على الفوز بسهولة. لم تكن تلك مجرد دعابة لطيفة، بل تعبير صادق عن حجم التقدير الذي حظي به الرجل داخل لبنان وبين اللبنانيين المقيمين في قطر.

ومن بين المحطات التي ستبقى شاهدة على تلك العلاقة الخاصة، مساهمته الأساسية في تأسيس المدرسة اللبنانية في قطر. لم يتعامل مع المشروع كملف إداري أو مبادرة بروتوكولية، بل كقضية إنسانية وثقافية تخص جاليةً أحبّها وآمن بدورها. ساهم في تأمين الأرض، ورعى المؤسسة، وواكب إنشاءها بإيمان واضح بأن اللبنانيين يستحقون مؤسسةً تربوية تحافظ على هويتهم وتمنح أبناءهم شعور الاستقرار والانتماء.

كان يدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الغاز والطاقة والبنية التحتية فحسب، بل أيضاً في الإنسان والتعليم والعلاقات الطويلة الأمد. وربما لهذا السبب بقي قريباً من اللبنانيين، ليس فقط كمسؤول، بل كصديق يعرف كيف يصغي، وكيف يساعد، وكيف يترك أثراً طيباً في حياة الناس.

لقد لعب دوراً مهماً في تطوير العلاقات اللبنانية ـ القطرية في مراحل مفصلية، وساهم في ترسيخ صورة قطر داخل الوجدان اللبناني كدولةٍ قريبة من لبنان، حاضرة عند الحاجة، ومهتمة بما يتجاوز الحسابات الضيقة.

وفي عالم عربي باتت السياسة فيه قاسية وباردة ومثقلة بالصراعات، يبدو رحيل شخصيات مثل عبد الله بن حمد العطية تذكيراً نادراً بأن بعض رجال الدولة استطاعوا أن يجمعوا بين النفوذ والإنسانية، بين القوة والتواضع، وبين الموقع الرسمي والمحبة الحقيقية.

برحيله، تطوي قطر صفحة أحد رجالاتها الكبار الذين رافقوا مرحلة التحول الكبرى للدولة، من دولة خليجية صاعدة إلى لاعبٍ عالمي مؤثر في الطاقة والسياسة والديبلوماسية. لكن بعض الرجال لا يُختصر إرثهم بالمناصب التي شغلوها، بل بالمحبة التي تركوها خلفهم. وهذه ربما كانت أعظم ثروة امتلكها الرجل.

سيبقى اسم عبد الله بن حمد العطية في ذاكرة كثيرين من اللبنانيين مرتبطاً بصورة الصديق الوفي، والرجل الذي أحب لبنان من دون ضجيج، وخدم العلاقات اللبنانية ـ القطرية بمحبة صادقة، وترك وراءه ما هو أهم من السياسة: ذكرى جميلة يصعب أن تغيب.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
فن ومشاهير 5/31/2026 5:10:00 PM
حسين فياض: "هنا كان مطعمنا بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين".
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.