"يا ستُّ الدُّنيا يا بيروتُ": بينَ قلمٍ دلَّ وصوتٍ صلّى

منبر 01-06-2026 | 13:21

"يا ستُّ الدُّنيا يا بيروتُ": بينَ قلمٍ دلَّ وصوتٍ صلّى

خمسة عقودٍ ونيّف مرّت على تلك الصّرخة التي أطلقها نزار قبّاني، ولا تزال بيروت عالقةً في "رحم الأحزان"
"يا ستُّ الدُّنيا يا بيروتُ": بينَ قلمٍ دلَّ وصوتٍ صلّى
هنا بيروت…
Smaller Bigger

ريمي الحويّك 

 

 

خمسة عقودٍ ونيّف مرّت على تلك الصّرخة التي أطلقها نزار قبّاني، ولا تزال بيروت عالقةً في "رحم الأحزان"، كأنّ نزار لم يكتب قصيدةً لزمنه فحسب، بل كان يدوّن قدر مدينةٍ محكومةٍ بأن تتألّم كي تبقى حيّة. لم يكن يغازل مدينة، بل كان يُشرّح جثّة حبيبة تأبى أن تموت، واضعاً إصبعه على التّناقض الصّارخ الذي يجعل من بيروت لُغزاً عصيّاً على الفهم.

نحن الّذين كبرنا على صوت السّيدة ماجدة الرّومي وهي تنشد "يا ستّ الدنيا يا بيروت"؛ الماجدة التي منحت القصيدة أجنحة لاهوتيّة، قدّمتها كصلاة اعتذار كبرى، نسخة مهذّبة من الوجع، يفيض اعترافاً وندماً ومحبّةً نبيلة.
لكنّ نزار في النَّص الأصلي لم يكن " مُصلياً " بقدر ما كان " مُشرِّحاً "، فخلف الصّوت الأوبرالي المهيب تختبئ بيروت الأُخرى، بيروت التي لم تصل كاملةً إلى المسرح، لكنّها وصلت كاملةً إلى ديوان نزار.
في المقاطع التي لم تُغنَّ لا يكتب نزار قصيدة حبٍّ تقليديّة، بل يفتح جرحاً؛ هو لا يُدلّل المدينة، بل يواجهها بمرآةٍ جارحة، ويعترف بعلاقته المرضيّة بها، عشقٌ لا يشفى، حتّى في ذروة الخراب.
هناك، تظهر "بيروت المجنونة" التي ترفض التّهذيب؛ المدينة التي وصفها نزار بأنّها "بيروت الجوع الكافر والشّبع الكافر"، وهو توصيف طبقي واجتماعي وسياسي يختصر التّناقض البنيوي للمدينة التي تعيش الترف الفاحش والبؤس المدقع على الرصيف ذاته.
وحين يقول "ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ العشقِ ويا بيروتُ الذّبحِ من الشّريان إلى الشّريان"، فهو لا يكتب رومانسيّة عابرة، بل يكتب فلسفة الانتماء إلى مدينةٍ في قُبحها كما في مجدها. 
ثمّ تأتي صرخته الأكثر وجعاً: "لماذا لا نبتدئ الآن؟". هنا تحديداً، يتحوّل النّص من قصيدة إلى محاكمة تاريخيّة. سؤالٌ ما زال معلّقاً فوق رؤوس اللبنانيين منذ أكثر من نصف قرن. كم مرّة انهارت بيروت؟ وكم مرّة أُعيد دفنها تحت الرّكام؟ وكم مرّة ظنّ الجّميع أنّها انتهت، فعادت ووقفت من جديد، كأنّ هذه المدينة خُلقت لتختبر معنى القيامة كل يوم!؟ كان يدرك أنّ لبنان مُصاب بذاكرة مثقوبة، فنحن لا نبدأ من جديد لأنّنا تعلّمنا شيئاً، بل نبدأ لأنّنا ننسى ما حدث. القيامة في بيروت ليست فعلاً لاهوتيّاً، بل هي غريزة بقاء بيولوجيّة شرسة، تجعل المدينة تنهض قبل أن يجفّ دمها.

وعندما يقول "إن الثّورة تولد من رحم الأحزان"، فإن هذه العبارة عند نزار لم تكن مجرّد استعارة شعريّة، بل قانوناً وجوديّاً. لقد فهم باكراً أنّ الحزن في بيروت ليس خاتمة، بل مخاض دائم، وأن المدن العظيمة لا تُولد من الرَّفاه، بل من النّار. هذه العبارة ليست مجرّد سطر شاعري، بل هي قانون ميكانيكي في فيزياء المدن. نزار فهم أن الضّغط المُمارَس على بيروت سيحوّل فحم أحزانها إلى ألماس، لكنّه حذّر أيضاً من أنّ هذا التحوّل يتطلّب احتراقاً كاملاً.

لهذا بقيت بيروت، رغم كلّ شيء، مدينةً عصيّة على الموت، مدينةً أهديناها "مكان الوردة سكيناً"، لكنّها ظلّت تمنحنا، في كلّ مرّة، فرصةً جديدة للغفران.

ما بدأته ماجدة الرومي بصوتها عام ١٩٩١ تحوّل إلى نشيدِ وجعٍ عربي. لكنّ القصيدة الكاملة، بنسختها العارية والقاسية، تبقى المانيفستو الحقيقيّ لبيروت المدينة التي لا تعيش رغم جراحها فحسب، بل تعيش بها.

إذا كان نزار قبّاني قد صاغ لبيروت إنجيلَ انكساراتها على جدار اللّغة، واضعاً يده على جرح الحقيقة، فإنّ ماجدة الرّومي لم تكن مجرّد قارئة، فقد كانت الكاهنة التي رفعت القربان فوق مذبح الوجود. 
إنْ كان نزار قبّاني قد كتب لبيروت دستور أوجاعها، فإنّ ماجدة الرّومي قد عمّدتها بصوتها فوق هيكل الصّمود وحوّلت القصيدة من مرثيةٍ للمدينة إلى جنازة تليق بالألم، وقيامة تليق ببيروت.
استطاعت ماجدة الرّومي بذلك الحزن الشّفيف المعلّق في حنجرتها، أن تنتشل القصيدة من محدوديّة الورق إلى اتّساع الوجدان، فحوّلت اعترافات نزار القاسية إلى ترنيمة خلاص، وقطعت معنا عهداً أبديّاً بأنّ هذه المدينة، مهما سُمّرت على خشبة الألم، ستظلّ أيقونةً لا تنطفئ، مدينةً تُعلّم الأرض، كيف يكون العبور من الموت إلى الحياة.

نزار لم يكتب كلمات، بل كان يجمع أشلاء أرواحنا من تحت الرّدم، ليقول لنا إنّ بيروت هي "مريمُ المدن"، المصلوبةُ دوماً، والنيّرةُ أبداً، التي تحمل صليبها بوقارِ الملوك وتنهض قبل صياح الدّيك، كأنّها تخشى أن يصحو العالم ولا يجد من يعلّمه معنى الصّلب ومعنى القيامة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/31/2026 2:25:00 PM
هل موقف بري الحازم والحاسم أتى لتوفير مظلة حماية للحكومة الحالية، أو لضمان حماية الحزب من نفسه ومن جموحه؟
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
فن ومشاهير 5/31/2026 5:10:00 PM
حسين فياض: "هنا كان مطعمنا بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين".