عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عِيْدُ...؟

منبر 01-06-2026 | 11:57

عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عِيْدُ...؟

26 عاماً مرّت على عيدِ النّصرِ والتّحريرِ في لبنانَ، عيدٌ لم يُذِقِ اللبنانيّينَ إلّا طَعمَ الذّلِّ والهزيمةِ والمَهانةِ وفَرضِ الإستزلامِ بالتّرغيبِ والتّرهيبِ لولِيِّ الأمرِ والطّاعةِ المُفدَّى بالمالِ والأنفسِ
عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عِيْدُ...؟
دبابات إسرائيلية على الحدود مع لبنان (أ ف ب).
Smaller Bigger

علي مازح

 

 

26 عاماً مرّت على عيدِ النّصرِ والتّحريرِ في لبنانَ، عيدٌ لم يُذِقِ اللبنانيّينَ إلّا طَعمَ الذّلِّ والهزيمةِ والمَهانةِ وفَرضِ الإستزلامِ بالتّرغيبِ والتّرهيبِ لولِيِّ الأمرِ والطّاعةِ المُفدَّى بالمالِ والأنفسِ، ولنهجِهِ الّذي قِيلَ فيه حسبَما وردَ عن الإمامِ جعفر الصّادق: (ما أنزلَ اللهُ سبحانه آيةً في المنافقين إلّا وهي فيمَن ينتحلُ التَّشيُّعَ). والمقصودُ هنا في كلامِ الصّادقِ هو "أنّ بعضَ العجَمِ وأتباعِهم من المُتأيرِنينَ اليومَ ينتحلون التّشيُّعَ من أجلِ الهيمنةِ والتّسلُّطِ على رقابِ شُعُوبِ هذه المِنطقةِ باسمِ المذهبِ والتَّشيُّعِ".
26 عاماً مرّت على عيدِ النّصرِ والتّحريرِ، ولبنانُ من جنوبِهِ إلى شَمالِهِ ومن شرقِهِ إلى غربِهِ بلا ماءٍ ولا دواءٍ ولا كهرَباءَ...
26 عاماً مرّت على عيدِ النّصرِ والتّحرير، ولبنانُ ما زالَ يَشهدُ موجةَ تسونامي لا نظيرَ لها في تأريخِ البشريّةِ كلِّها، بحيث تغمرُ مياهُ المجاري والصَّرفِ الصِّحيّ عندَ كلِّ موسمِ شتاءٍ معظمَ شوارِعِهِ وأحيائِهِ، ويَعبَقُ بروائحِ النّفاياتِ المُكَدّسَةِ في الشّوارعِ والأحيَاء، وعلى عَيْنَكْ يا (تحرير).
26 عاماً مَرَّت على عيدِ النّصرِ والتّحريرِ، وما زالت هجرةُ الأدمغةِ والطّاقاتِ من لبنانَ إلى الخارجِ في أوْجِها، والجوعُ سلاحَ الغدرِ لتركيعِ اللبنانيّينَ، إلّا مَن رحِمَ الزّعيمُ والمَسؤولُ وزوجةُ الزّعيمِ وابنةُ المسؤول!
26 عاماً وما زالَ الدَّينُ العامُّ الّذي يُناهزُ (الـ300 مليارِ دولار) وَفقَ ما هو مُعلَنٌ يُؤرِّقُ معظمَ اللبنانيّينَ ويَقُضُّ مضَاجِعَهم وعلى عَيْنَكْ يا (تحرير)!
26 عاماً مرّت على عيدِ النّصرِ والتّحريرِ، أعوامٌ كافيةٌ لإعادةِ بناءِ أكبرِ دولٍ في العالمِ دُمِّرت بفعلِ الحربِ، ولنا في الحربِ العالميّةِ الثّانيةِ خيرُ دليلٍ على ذلك. فلقد دُمِّرَت اليابانُ تدميراً شِبْهَ كاملٍ، وفي أقلَّ من عقدينِ من الزَّمَنِ نجحتِ اليابانُ نجاحاً باهراً، أبهَرَتِ العالمَ أجمَعَ بخروجِها من تحتِ الرّكامِ وإعادةِ إعمارِ ما دمَّرته الحربُ ولَمْلَمَةِ جروحِها، ونجحت ببناءِ أكبرِ إمبراطوريّةٍ اقتصاديّةٍ في العالمِ، بعدَ الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّة، (الّتي لم تتعلّمْ بعدُ من جبران باسيل ومحمّد رعد كيف تُديرُ بلداً من دونِ موازنةٍ)، قبلَ أن تعودَ اليابانُ لتحتلَّ المرتبةَ الثالثةَ بعدَ الصِّين الّتي استطاعت أن تبنيَ ناطحاتِ سَحَابٍ وجُسُوراً خلالَ خمسةِ أيّامٍ فقط (وذلك قبلَ أنْ يقومَ الشّيخ نعيم قاسم من مقامِهِ ويُنهيَ خطابَه بالتّأكيدِ على النَّصرِ المُبينِ)، "طبعاً معَ الفارقِ الكبيرِ في الدّيموقراطيّةِ بينَ الدّولتَينِ".
مَن مِنَّا لا يذكُرُ كلامَ رئيسِ كتلةِ "الوفاءِ للمقاومةِ" في البرلمانِ اللبنانيّ وأحدِ تلامذةِ ميكافلِّي وشقيقِهِ في الرَّضاعةِ محمَّد رعد في 27/4/2022 إنّ تكلفةَ الحربِ على اليمن بلغت (900 مليارِ دولارٍ) بينما تكلفةُ القضاءِ على إسرائيل تبلغُ تسعةَ ملياراتِ دولارٍ فقط، وإنّ المقاومةَ بحاجةٍ إلى هذا المبلغِ لإزالةِ إسرائيل من الوجود؟
ومَن منّا لا يذكُرُ قصّةَ تيمورلنك وحمار جحا؟
كان تيمورلنك حاكماً قويّاً، وأراد أن يُميِّزَ حمارَه عن باقي الحمير، فأعلن أنه يريدُ شخصاً قادراً على تعليمِ حمارِه القراءةَ والكتابة، مُحذِّراً من مغبَّة أن يتقدّمَ لهذه المُهمَّةِ مَن ليس مؤهّلاً لها، مُتوعِّداً ضربِ عُنقِه بحدِّ السيف.
لم يتقدّم الى هذه المهمّةِ الصّعبةِ جدّاً سوى جحا، "وما أدراك ما جحا" كما "ما أدراك ما سياسيُّو لبنان وزعماؤه"... تقدّم جحا وقال لتيمورلنك إنّه قادرٌ على تعليمِ الحمارِ القراءةَ والكتابة، ولكن بشرطٍ واحد، وهو أن يتقاضى جحا نصفَ المبلغِ مباشرةً، والنّصفَ الثاني بعد أن ينتهي من تعليم الحمارِ القراءةَ والكتابة.
وافق تيمورلنك على طلبِ جحا واقتراحِه وأرسل الحمارَ معه.
أخذ جحا الحمارَ إلى مدرسةِ بيتِهِ وأحضرَ كتاباً كبيراً، وصارَ يضعُ بين كلّ صفحةٍ قليلاً من الشّعير، فكلّما جاع الحمارُ أخذ يُقلّبُ الصّفحاتِ ويأكل.
وبعد فترةٍ من الزّمن صارَ الحمارُ يقلّبُ الصّفحاتِ بمجرّدِ أن يرى الكتابَ، لأنّه صارَ على علمٍ بأنّ الطعامَ موجودٌ بين الصّفحات.
وحين جاء موعدُ الاختبار، وجمع تيمورلنك الناسَ في ساحةِ الميدان، جاء جحا بالحمار، ووضع أمامَه الكتاب، فصار الحمارُ يُقلّب الصّفحاتِ صفحةً تلوَ الأُخرى، وسَطَ تصفيقِ النّاس له.
سأل تيمورلنك جحا متى سيتعلّمُ الحمار القراءةَ والكتابة، فأجاب جحا: بعد عشرِ سنين إن شاءَ اللهُ تعالى، فردَّ تيمورلنك عليه مُتعجِّباً: هذا كثيرٌ جدّاً!، فأجاب جحا: يا مولاي، هذا أقلُّ وقتٍ ممكنٍ ليُمسِكَ الحمارُ القلمَ ويكتب.
وبعدما اختلى النّاسُ بجحا قالوا له: أنت مجنون، لقد حكمْتَ على نفسِك بالموتِ والإعدام!، فقال لهم جحا: (يا حَمقى، بعد عشرِ سنواتٍ ستتغيَّر الأحوال، فإمّا أن أكونَ أنا قد مِتُّ أو قد يموتُ الحاكمُ تيمور، أو يموت الحمار).
ولعلَّ قصّةَ جحا وحمار تيمورلنك أقلُّ وقعاً وتأثيراً على مجتمع ذلك الزَّمنِ مقارنةً بزمانِنا اليومَ الّذي يعاني فيه وطنُنا الحبيبُ لبنان أسوأَ احتلالٍ وإرهابٍ وقمعٍ باسمِ المقاومةِ، الّتي أعادته قروناً إلى الوراء.
أوَليسَ من حقِّ المواطنِ اللبنانيِّ المظلومِ والمقهورِ أن ينعمَ بحياةٍ كريمةٍ، فيها أبسَطُ مُقوِّماتِ الصُّمودِ والتَّصدِّي، أضربُ مثالاً على ذلك: (الكهرباءَ 24/24 والمياهَ النَّظيفةَ والتَّعليمَ المجّانيّ والطَّبابةَ والأمنَ والأمانَ وضمانَ الشيخوخةِ وغيرَ ذلك من حقوقِ المواطَنَةِ الّتي تكفلُها الدَّساتيرُ والقوانينُ وشِرعةُ حقوقِ الإنسان..)؟
لا يَسَعُني في نهايةِ هذا المقال إلّا أنْ أستذكرَ قولَ المتنبّي ليلةَ أحدِ الأعيَادِ بعدَما ضاقت به سُبُلُ العيشِ في وطنِهِ وأرادَ الرّحيلَ عنه:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدْتَ يا عِيدُ... 
بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فِيْكَ تَجْدِيدُ؟

       
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
كتاب النهار 5/31/2026 8:43:00 AM
ثمة انقشاع للرؤية بعد ما حصل في الأشهر الأخيرة وهناك دروس ستؤخذ في الاعتبار، وهناك ركيزة أساسية سواء تقدم لبنان في المفاوضات أو لم يتقدم
لبنان 5/31/2026 2:25:00 PM
هل موقف بري الحازم والحاسم أتى لتوفير مظلة حماية للحكومة الحالية، أو لضمان حماية الحزب من نفسه ومن جموحه؟
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.