الاجتياح الصامت تحت غطاء الهدنة
عبدالله ناصر الدين
منذ اندلاع الصراع العربي الإسرائيلي، شكّلت الحروب التي تعرّض لها لبنان محطات مفصلية في تاريخ المنطقة. لكنّ اجتياحَي عامي 1978 و1982 بقيا الأكثر تأثيراً على المستوى العسكري والسياسي، نظراً إلى ما حملاه من مشاريع احتلال ميداني مباشر للأرض اللبنانية، وما نتج عنهما من انتهاكات موثقة للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية.
في 14 آذار 1978 أطلقت إسرائيل عملية "الليطاني" التي انتهت باحتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني، الأمر الذي دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار القرارين 425 و426 اللذين طالبا بانسحاب القوات الإسرائيلية فوراً من الأراضي اللبنانية وإنشاء قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل). لكن الاحتلال لم ينتهِ بصورة كاملة، بل استمر عبر إنشاء ما عُرف بـ"الحزام الأمني" الذي بقي قائماً لسنوات طويلة.
أما في 6 حزيران 1982، فقد بدأ الاجتياح الإسرائيلي الأكبر للبنان تحت عنوان "سلامة الجليل". يومها، تقدّمت القوات الإسرائيلية بسرعة كبيرة نحو العاصمة بيروت، معتمدة تفوقاً جوياً ومدرعاً واستخباراتياً غير مسبوق. لم تكن المعركة مجرد مواجهة حدودية، بل عملية عسكرية واسعة هدفت إلى إعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة. وقد أدى ذلك الاجتياح إلى احتلال أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية واستمراره حتى عام 1985، قبل أن ينكفئ الاحتلال إلى الشريط الحدودي الذي استمر قائماً حتى التحرير في 25 أيار 2000.
وعلى امتداد العقود اللاحقة، شهد لبنان مواجهات متعددة مع إسرائيل، إلا أن طبيعة الحرب تغيّرت بصورة جذرية مع التطور التكنولوجي والاستخباراتي. ففي حرب عام 2024، التي استمرت 66 يوماً، برزت للمرة الأولى بصورة واضحة عناصر الحرب الرقمية والاستخباراتية والتكنولوجية المتقدمة، حيث اعتمدت إسرائيل على قدرات المراقبة والاختراق وجمع المعلومات الدقيقة بصورة مكثفة، ما انعكس على مجريات العمليات العسكرية وعلى حجم الخسائر التي أصابت المقاومة اللبنانية وقياداتها العسكرية والسياسية.
وفي الثاني من آذار 2026 دخل لبنان مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية. فقد اتسمت الحرب الجديدة بدرجة عالية من التدمير والعنف، وطالت مناطق واسعة من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت، إضافة إلى مناطق أخرى في مختلف المحافظات اللبنانية. ومع أن هذه الحرب لم تعتمد بالكامل الأسلوب الاستخباراتي الذي ميّز حرب 2024، فإن المشهد الميداني بدأ يُظهر ملامح أقرب إلى ما شهده لبنان خلال اجتياح عام 1982، من حيث حركة القوات البرية وطبيعة الانتشار العسكري وأهداف السيطرة الميدانية.
وبعد مرحلة من العمليات العسكرية المكثفة، دخلت ترتيبات الهدنة حيّز التنفيذ عقب الجهود السياسية التي أعقبت قصف بيروت في 11 نيسان 2026. لكن الوقائع الميدانية اللاحقة أثارت تساؤلات عديدة حول الأهداف الحقيقية للتحركات الإسرائيلية في الجنوب. فخلال هذه المرحلة تمكنت القوات الإسرائيلية من فرض سيطرة على مناطق حدودية واسعة أُطلق عليها إعلامياً اسم "المنطقة الصفراء"، وهي مناطق تتقاطع جغرافياً مع أجزاء من نطاق الاحتلال الذي نشأ بعد اجتياح 1978.
ومن منظور قانوني، فإن أي سيطرة عسكرية على أراضٍ لبنانية خارج إطار القرارات الدولية والسيادة اللبنانية تُعدّ احتلالاً يخضع لأحكام اتفاقيات جنيف الرابعة ولقواعد القانون الدولي الإنساني، بصرف النظر عن التبريرات الأمنية التي قد تُطرح لتسويغ هذه السيطرة.
ميدانياً، أظهرت التحركات العسكرية الإسرائيلية اعتماد مسارات التفاف ومناورة عبر مناطق جبلية مفتوحة بين دير سريان وقلعة الشقيف مروراً بمزرعة الحمرا ويحمر بعدما فشل في دخول زوطر الغربية من شدة المقاومة فيها. قلعة الشقيف هي بناء تاريخي ضخم موجود على منطقة ذات أهمية استراتيجية تشرف على أجزاء واسعة من أقضية مرجعيون والنبطية وجزين. ويشير ذلك إلى سعي واضح للسيطرة على المرتفعات والنقاط الحاكمة التي تمنح أفضلية نارية ومراقبة ميدانية للقوات المتقدمة.
ويبقى السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمثل هذه التحركات مرحلة تكتيكية محدودة مرتبطة بالواقع الميداني الحالي، أم أنها مقدمة لمسار أوسع يعيد إنتاج حدود الاحتلال التي كانت قائمة بين عامي 1985 و2000؟
الإجابة النهائية ما زالت رهناً بالتطورات العسكرية والسياسية المقبلة. لكن الثابت تاريخياً هو أن الجنوب اللبناني كان دائماً ساحة صراع بين مشروع الاحتلال ومشروع التحرير، وأن التجربة الممتدة من اجتياح 1978 إلى تحرير عام 2000 أثبتت أن أيّ واقع يُفرض بالقوة العسكرية يبقى موقتاً أمام إرادة الشعوب وتمسّكها بحقها المشروع في أرضها وسيادتها وكرامتها الوطنية.
نبض