اليوم خسرنا ما تبقى من نصر
آيا موسى
اليوم، لم نخسر تلةً ولا قلعةً فقط… اليوم خسرنا ما تبقى من صورة النصر الذي علقناه على جدران ذاكرتنا منذ عام 2000.
يومها خرج الاحتلال من الجنوب تحت وقع المقاومة وصمود الناس، وكانت قلعة الشقيف شاهدةً على نهاية مرحلة من الذل والخوف. وقف اللبنانيون ينظرون إليها كرمزٍ لاستعادة الأرض، وكأن حجارتها العتيقة تحفظ في شقوقها أصوات الذين انتظروا التحرير سنوات طويلة.
أما اليوم، فالمشهد مختلف إلى حد الوجع.
اليوم عادت الدبابات إلى المكان نفسه، وعاد الجنود الذين قيل لنا إنهم لن يعودوا أبداً إلى قلعة الشقيف، تلك القلعة التي كانت عنواناً لذاكرة الانتصار وصورةً معلقة في وجدان الجنوب.
ليس سقوط موقع عسكري هو ما يوجع الناس فقط، بل سقوط المعنى. حين يرى أبناء الجنوب القلعة التي احتفلوا بها يوماً تحت أعلام التحرير، وقد أصبحت مجدداً تحت أقدام الجيش الإسرائيلي، يشعرون وكأن سنوات كاملة من التضحيات والأساطير والخطابات تُدفن أمام أعينهم.
في القرى الجنوبية اليوم، لا تسمع ضجيج السياسة بقدر ما تسمع وجع الناس. أمهات ينتظرن أبناءهن، عائلات هجّرتها الحرب، بيوت تحولت إلى ركام، وحقول تُركت وحيدة تحت النار. وبين كل هذا الخراب، تقف الشقيف كأنها مرآة تعكس سؤالاً كبيراً ومؤلماً: كيف وصلنا إلى هنا؟
قلعة الشقيف لم تكن مجرد موقع أثري أو نقطة عسكرية. كانت رمزاً في الوعي الجنوبي، وعيناً تطل على الليطاني ووادي السلوقي وقرى الجنوب كلها، حتى قيل عنها إنها “العين التي ترى كل شيء”.
اليوم، ونحن نشاهد صور الجنود الإسرائيليين فوق أسوارها من جديد، لا نشيع حجارةً قديمة ولا موقعاً استراتيجياً فقط، بل نشيع جزءاً من الحلم الذي عاشه اللبنانيون منذ أيار 2000. نشيع وهماً جميلاً بأن الدم الذي سُفك يكفي وحده لحماية المستقبل، وأن الانتصارات تبقى إلى الأبد.
اليوم خسرنا ما تبقى من نصر 2000.
شيّعناه إلى مثواه الأخير بين دخان الجنوب، وبين القرى التي أنهكتها الحروب، وبين ذاكرة جيل كامل كان يعتقد أن بعض الأماكن لا يمكن أن تسقط مرتين.
لكن الجنوب، رغم كل شيء، يبقى أكبر من القلاع وأكبر من الجيوش. يبقى حكاية ناسٍ تعبوا من الحرب ولم يتعبوا من حب أرضهم، ويبقى السؤال معلقاً فوق الشقيف كما كان دائماً: متى يأتي يوم لا نعدّ فيه الخسائر، ولا نشيع فيه أوطاننا قطعةً قطعة؟
نبض