إن كنتَ يا لبنان حقيقةً وطناً بشعب ودولة لا تدخُل المفاوضات الفارغة
زاهي جبرائيل
المفاوضات الفارغة هي أن يدخل المفاوِضٌ حلبة المفاوضات من دون أن يكون لديه إستراتيجية واضحة ولا في جعبته خيارات متعددة بديلة، ولا عنده حدود داخلية محددَة للمفاوضات يتبعها. الذي يدخل المفاوضات هكذا، يجعل نفسه عرضةً لتقديم تنازلات كان بإمكانه تجنبها. إضافةً الى أنه تلحق بصدقيته أضرار جسيمة لها آثارها السلبية عليه. هذا كله يعرّضه للقبول بشروطٍ غير مؤاتية لصالحه. فما الذي يجعل أي طرفٍ مفاوِض لدخول المفاوضات هكذا، ولماذا تفشل المفاوضات الفارغة في أن تكون نتائجها عادلة؟
حين يكون الطرف المُفاوِض مهتز النفوذ وسلطته هزيلة القوة لا يمكنه دعم مطالبه بمواقف صلبة. في المقابل، يعرف الطرف المقابل أن أي تهديدات ضاغطة يرفعها غريمه في المفاوضات لا يمكنه الوقوف عندها أو تنفيذها مما يجعل الإنذارات المستقبلة التي يطلقها غير ذات تأثير على المفاوضات. سبب آخر، حين لا يكون من تعادل ولو نسبي في القوى بين الطرفين، هذا يعطي الخصم القوي القدرة على السيطرة على نقاط التفاوض وتحديد أساساته منذ البداية. سبب إضافي لفشل المفاوضات الفارغة في التوصل الى نتائج عادلة، أن الطرف الذي إستعداداته للمفاوضات غير كافية يصل الى نقطة يشعر فيها بالعجز، عندها ينصَبّ سعيه على التوصل بسرعة الى تسوية. وفي المقابل، وبسبب اليأس، يصبح متطلباً وبطلبات عشوائية يرفعها جزافا، ويلحظ الطرف المقابل أن هذا التطلب القوي لدى خصمه ليس نابعاً إلا من ضياع ونتاج حائط مسدود وضع نفسه طي جدرانه.
هل عانى لبنان من هذه الحالة في أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع عدوه الإسرائيلي؟ نعم، ففي المفاوضات على الحدود البحرية للبلوكات الغازية كانت حال لبنان في حلبة التفاوض معظمها في خانة الذي ذكرته. فلا إستراتيجيته كانت واضحة ولا في جعبته خيارات متعددة يرميها على طاولة التفاوض ولا وضع لنفسه إطاراً أو حدوداً لهذا التفاوض. كذلك صدقيته في نفوذه كانت مهزوزة، وما كان بإمكانه دعم مطالبه بمواقف صلبة مبنية على معادلات وأرقام علمية. عرف الطرف المقابل هشاشة وضع السلطة اللبنانية في المفاوضات وضياعها. هذا جعل القوى غير متعادلة في المفاوضات، وكان خصمنا هو الطرف القوي في المفاوضات، وهذا مكّنه من السيطرة على نقاط التفاوض. هذا المسار، بما لدى كل من الطرفين، جعلنا نشعر بالعجز في نقطةٍ ما في المفاوضات. صار همنا التوصل بسرعة الى تسوية مهما تكن نتائجها. وبعد أن ضربنا اليأس أضحت طلباتنا العالية السقف نابعة من ضياع لدينا، وقد عرف الطرف المقابل هذا واستغله لمصلحته.
اليوم تتكرر المفاوضات. لكن هذه المرة المفاوضات أكثر خطورة ودروبها صعبة جداً، ونتائجها سيكون لها إنعكاس مصيري على مستقبل وجود البلد. هل السلطة اللبنانية أعدت نفسها كافياً للدخول في هذه المفاوضات فلا تكون عليها مفاوضات فارغة؟ هل تعي السلطة اللبنانية ومن ورائها الشعب اللبناني، أن نتائج هذه المفاوضات سيكون لها إنعكاس مصيري على وجه لبنان لعقود؟
لكل هذا حذار... حذار الدخول في مفاوضاتٍ فارغة مع
إسرائيل. أيها اللبنانيون ويا أيتها السلطة اللبنانية، إسألوا أنفسكم هل أنتم مستعدون للجلوس على طاولة مفاوضات تخرجون منها بنتائج مرضِية للبلد، أم أنكم كما حصل سابقاً تدخلون مفاوضاتٍ فارغة ولا تدركون فداحة نتائجها على الوطن وأجياله؟
لن نستطيع الإجابة على هذه الأسئلة ما لم يكن لدينا وازع وطني لبناني موحد متلازم مع حكمة مسؤولة تستطيع الحساب جيدا. فهذه المفاوضات هي مثل جدول الضرب تكون النتيحة إما صائبة وإما خاطئة ولا نتيحة ثالثة بين بين. علّ الله يفيض على صدورنا بنور بصيرته وروح إيمانه ، فنرى طريقنا بوضوح ويكون إيماننا مطلقاً بهذا الوطن، فننجو ببلدنا من مفاوضاتٍ فارغة وأوزارها التي لن يدفع ثمنها إلا أولادنا وأولاد أولادنا.
نبض