اختراق المافيا الإيطالية للمصارف… ولبنان في قلب العاصفة المالية
ميلاد رفقة - باحث في علم الاقتصاد
كشف التحقيق الإيطالي، الذي أعلن عن تفكيك شبكة تبييض أموال مرتبطة بزعيم المافيا الراحل ماتيو ميسينا دينارو، عن واحدة من أخطر عمليات الاختراق المالي المنظم في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، بعدما تبين أن الشبكة نجحت في تدوير نحو 200 مليون يورو عبر منظومة مالية دولية معقدة، امتدت من الملاذات الضريبية الأوروبية وصولاً إلى القطاع المصرفي اللبناني.
التحقيقات لا تتحدث عن تحويلات مالية أو حسابات سرية فقط، بل عن انتقال المافيا الحديثة إلى مرحلة أكثر خطورة: التغلغل داخل البنية المصرفية نفسها عبر شراء حصص وازنة في مؤسسات مالية واستخدامها كمنصات لتدوير الأموال غير المشروعة.
اقتصادياً، يمثل هذا التحول تطوراً جذرياً في أساليب الجريمة المنظمة؛ فبدلاً من الاحتفاظ بالأموال النقدية الناتجة عن تجارة المخدرات والأنشطة غير القانونية، باتت الشبكات الإجرامية تعتمد على أدوات مالية متطورة تشمل الشركات الوهمية، المحافظ الاستثمارية، الصناديق العابرة للحدود، والمراكز المالية ذات الرقابة الضعيفة، بهدف تحويل "المال الأسود" إلى أصول تبدو قانونية بالكامل داخل النظام المالي العالمي.
لكن النقطة الأخطر في هذا الملف كانت الإشارة إلى وجود استثمارات مرتبطة بالشبكة داخل مصرف لبناني، ما يفتح الباب أمام تداعيات مالية وسياسية واسعة على لبنان، الذي يعيش أساساً واحدة من أسوأ الأزمات المصرفية في العالم منذ عام 2019.
فالقطاع المصرفي اللبناني يعاني منذ سنوات بسبب أزمة ثقة عميقة، نتيجة انهيار الودائع، القيود غير الرسمية على السحوبات، والتعثر المستمر في تنفيذ الإصلاحات المالية المطلوبة دولياً. واليوم، يأتي هذا التطور ليضيف عبئاً جديداً يتمثل بخطر ربط المصارف اللبنانية بشبكات غسل أموال عابرة للحدود.
الأسواق المالية الدولية تنظر بحساسية شديدة إلى أي شبهات مرتبطة بتبييض الأموال أو تمويل الشبكات الإجرامية، خصوصاً في الأنظمة المصرفية الهشّة. ولذلك، فإن مجرد ورود اسم مصرف لبناني ضمن تحقيقات مرتبطة بالمافيا الإيطالية قد يدفع المصارف المراسلة الدولية إلى تشديد القيود على التعامل مع لبنان، أو حتى تقليص علاقاتها مع بعض المؤسسات المالية اللبنانية.
وهنا تكمن الخطورة الاقتصادية الحقيقية. فالمصارف اللبنانية تعتمد بشكل أساسي على المصارف المراسلة الأجنبية لتنفيذ التحويلات بالدولار واليورو؛ وأي تراجع في هذه العلاقات سيؤدي عملياً إلى زيادة عزلة لبنان عن النظام المالي العالمي، ما ينعكس مباشرة على التجارة الخارجية، التحويلات، والاستثمارات.
كذلك، فإن هذا الملف قد يعيد تسليط الضوء على موقع لبنان ضمن تقارير الهيئات الدولية المعنية بمكافحة تبييض الأموال، وفي مقدمها "مجموعة العمل المالي" (FATF)، التي تراقب مدى التزام الدول بمعايير الامتثال والشفافية المالية. وتشديد الرقابة الدولية على لبنان قد يرفع كلفة التحويلات المالية ويزيد الضغوط على القطاع المصرفي المنهك أصلاً.
وفي البعد الأعمق، تكشف القضية أن الاقتصاد اللبناني، في ظل الانهيار المؤسساتي وضعف الرقابة، بات أكثر عرضة لاختراق الرساميل المشبوهة الباحثة عن بيئات مالية رخوة. فكلما تراجعت قدرة الدولة على الرقابة والتنظيم، ازدادت احتمالات استخدام النظام المالي المحلي كمنصة لتدوير الأموال غير الشرعية.
السلطات الإيطالية شددت في المقابل على أن تجفيف مصادر التمويل ومصادرة الأصول هو السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة المافيا الحديثة، إذ لم تعد هذه الشبكات تعتمد فقط على العنف التقليدي، بل على النفوذ المالي والاستثماري والقدرة على اختراق الأسواق الرسمية.
وبالنسبة إلى لبنان، فإن الخطر لم يعد مقتصراً على الانهيار المالي الداخلي، بل بات مرتبطاً أيضاً بإمكانية تحوّله إلى نقطة ضعف داخل النظام المالي الدولي، في لحظة تتزايد فيها الضغوط العالمية على مكافحة الأموال المشبوهة وتعزيز الرقابة العابرة للحدود.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
نبض