عِناد الوجود: في نقد الموت المجيد وإعادة تعريف المقاومة كفعل استدامة
انهل قزحيا
في المنعطفات التاريخية الكبرى، عندما تجد المجتمعات نفسها في مواجهة قوى غاشمة لا تستهدف مجرد السيطرة السياسية أو قضم الجغرافيا، بل تسعى حثيثاً نحو محو الهوية، وإبادة الثقافة، وإلغاء الوجود الإنساني، يبرز سؤال كوني حارق يعيد تفكيك مفهوم المقاومة من أساسه البنيوي. لفترات طويلة من الزمان، وقع العقل الجمعي تحت سطوة أدبيات رومانسية بالغة الخطورة، أدبيات تختزل التحدي والمواجهة في مشهد الصدام الأخير؛ ذلك الصخب السريع والملحمي الذي ينتهي في أغلب الأحيان بموت مجيد يُخلده الشعراء. لكن القراءة الحصيفة لسايكولوجيا الصراعات الوجودية تفيد بأن هذا الاختزال الاختياري قد يخدم، من حيث لا يدري، غايات المحو ذاتها التي يبشر بها الطغيان. إن الجوهر الحقيقي، والمجرد، والمطهر من الرومانسيات العابرة للمقاومة لا يمكن أن يكون شغفاً بالفناء أو بحثاً عن حتف بطولي ينهي الرواية، بل هو، في نقائه الأول وغريزته الأصيلة، الرفض المطلق والبات للموت. المقاومة في أسمى تجلياتها السياسية والفلسفية هي غريزة البقاء وقد تحولت إلى استراتيجية واعية، وإلى إصرار عنيد على استدامة المجتمع وحمايته من التلاشي في وجه ماكينات الإلغاء الشرسة.
من منظور فلسفي عميق، إذا كانت القوة الإلغائية تتحرك دائماً بوازع فرض العدم، وتصفية الآخر، وإغلاق قوسي التاريخ عليه، فإن الرد الوجودي الأكثر راديكالية وتدميراً لمخططات هذه القوة ليس الانتحار الجماعي تحت مسمى التضحية، بل هو إرادة الحياة العنيفة والمستمرة. إن المحو الاستعماري أو الإبادي لا يتحقق بمجرد غياب الأجساد في ساحة المعركة، بل يكتمل ويصل إلى مبتغاه حين تنقطع السيرورة التاريخية للمجتمع، وتندثر ذاكرته، ويغيب نسله، وتتحول ثقافته إلى مجرد فلكلور في متاحف المنتصرين. وهنا يتجلى المأزق الفكري والأخلاقي الكبير: ما الجدوى من معركة حامية الوطيس، تشتعل في لحظة غضب عارم، إذا انتهت بإبادة كاملة للمجتمع الذي نُقاتل أصلاً من أجل حمايته؟ وأين تذهب القضية العادلة إذا غاب أصحابها وتلاشى أثرهم من على وجه الأرض؟ بناءً على هذا التساؤل الاستنكاري، يصبح البقاء الصرف، البقاء الحيوي، الذكي، الحامل للهوية والثقافة، هو الفعل التخريبي الأكبر والأعمق ضد قوى الهيمنة. إن استمرار المجتمع في ممارسة تفاصيله اليومية البسيطة والبديهية، من إنجاب الأطفال، وكتابة الروايات، وحراثة الأرض، وتعليم الفلسفة، ونقل الحكاية الشفوية من جيل إلى جيل، هو إعلان سياسي صامت وصاخب في آن معاً؛ إعلان يثبت مع كلّ إشراقة شمس أن مشروع المحو قد تكسّر على صخرة الاستمرارية العادية، وأن الحياة أقوى من محاولات صياغتها في قوالب الموت.
هذا التحول المفاهيمي الخطير في نظرتنا إلى المواجهة يحمل في طياته أبعاداً نفسية بالغة العمق والخطورة على السواء. إن قوى السحق والإبادة تعتمد استراتيجياً، وقبل كل شيء، على بثّ ما يمكن تسميته بـ "اليأس الوجودي" في نفوس الضحايا، ودفعهم عمداً نحو خيارات صفرية خانقة: إما الاستسلام النكوصي الذليل الذي يمثل موتاً نفسياً وحضارياً مسبقاً، أو الانفجار الانتحاري غير المحسوب الذي يمثل موتاً جسدياً فورياً ومجاناً. وحين يعيد المجتمع المضطهد تعريف ذاته وصياغة أدواته من خلال ثقافة الاستدامة والبقاء، فإنه ينقل المعركة فوراً من مساحة الفعل الانفعالي الصدمي الموقت إلى مساحة الوعي الممتد عبر الزمن. يتحول التركيز النفسي الجمعي هنا من إحصاء الخسائر الفادحة وجلد الذات إلى ابتكار آليات مرنة للعيش والتحايل على الموت، وتتحول الأسلحة من أدوات ميكانيكية للقتل والدمار الفوري، إلى أدوات استراتيجية لصناعة الحياة؛ كالتعليم المستمر، والرعاية الصحية، وبناء شبكات التكافل الاجتماعي الذاتي. هذا الصمود الهادئ والمنظم يربك السايكولوجيا الأمنية والعسكرية للمعتدي بشكل كامل، إذ يرى أمامه مجتمعاً حياً يرفض أن يُسحق نفسياً، مجتمعاً ما زال قادراً على الحلم، والازدهار، والابتكار، وبناء البيوت وزراعة الأشجار وسط الأنقاض، مما يحيل كل أدوات الموت الفتاكة والحديثة التي يمتلكها المحتل إلى أدوات تائهة وعاجزة عاجزة عن تحقيق غايتها النفسية القصوى، وهي كسر الإرادة الإنسانية وإجبار الضحية على القبول بالعدم والزوال.
أما على الصعيد السياسي والاستراتيجي، فإن المعارك الوجودية الكبرى بين الأمم والشعوب لا تُقاس أبداً بعدد الطلقات الممتلئة، أو بحجم الدمار اللحظي، أو بضجيج الشعارات المرفوعة، بل بالقدرة النهائية على فرض الوجود الإنساني والحضاري في المحصلة الختامية لحركة التاريخ. تراهن القوى الإبادية دائماً على عامل الوقت، وعلى فرضية نفاد مخزون الصبر وشروط البقاء البيولوجي والمادي لدى الشعوب المستهدفة بالحرب. لذلك، فإن المقاومة الأكثر نضجاً، وذكاءً، وخطورة هي تلك التي تخوض حرب استنزاف وجودية طويلة الأمد، مستخدمة نمط الحياة اليومي العادي كمتراس حصين لا يمكن اختراقه بالدبابات. إنها المقاومة التي تحمي بكل جوارحها النواة الصلبة للمجتمع (الإنسان والوعي والمعرفة) وتدير الموارد المتاحة بتعقل وحكمة يضمنان الصمود لقرون وعقود، بدلاً من الاحتراق السريع والكامل في لحظة غضب عابرة وموقتة. إن المقاومة في جوهرها الأصيل هذا ليست تذكرة باتجاه واحد نحو القبر أو الفناء، بل هي الجسر الحجري المتين الذي تعبر عليه الهوية الوطنية والإنسانية نحو المستقبل البعيد، لتؤكّد للعالم أجمع أن التمسك بالحياة، والحفاظ على النسيج الاجتماعي، وإبقاء شعلة المعرفة متّقدة، ليس هروباً ذليلاً من المواجهة، بل هو المواجهة في أعلى درجاتها الفكرية، وأشدها ضراوة، وأكثرها طهارة ونبلاً. إننا لا نقاوم لنموت ميتة شريفة وننتهي، بل نحن نقاوم لكي نعيش حياة حرة كاملة، ولكي يبقى مجتمعنا حياً، مستمراً، وشاهداً أبدياً على انكسار الطغيان وتبدد أوهام المحو أمام عناد البقاء الإنساني.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
نبض