هيبة الجزاء وذاكرة الجريمة

منبر 27-05-2026 | 09:28

هيبة الجزاء وذاكرة الجريمة

في شريعةٍ جزائيةٍ تشكّلت عبر تراكمٍ طويل من التجربة الإنسانية، لم يكن قانون العقوبات مجردّ نصٍّ تقني يحدّد الأفعال ويُرتب عليها الجزاءات، بل كان في جوهره مرآة لفلسفة المجتمع في فهم العدالة، وميزاناً دقيقاً يوازن بين مقتضيات الردع واعتبارات الرحمة، وبين حماية الفرد وصون الجماعة.
هيبة الجزاء وذاكرة الجريمة
اعتصام لأهالي السجناء للمطالبة بإقرار قانون العفو العام. (أرشيف)
Smaller Bigger

المحامي ربيع حنا طنوس

 

 

في شريعةٍ جزائيةٍ تشكّلت عبر تراكمٍ طويل من التجربة الإنسانية، لم يكن قانون العقوبات مجردّ نصٍّ تقني يحدّد الأفعال ويُرتب عليها الجزاءات، بل كان في جوهره مرآة لفلسفة المجتمع في فهم العدالة، وميزاناً دقيقاً يوازن بين مقتضيات الردع واعتبارات الرحمة، وبين حماية الفرد وصون الجماعة. 
فقانون العقوبات اللبناني، كما سائر التشريعات الجزائية الحديثة، لم ينشأ بوصفه منظومة جامدة، بل بوصفه إرثاً متراكماً يعكس تطوّر فكرة العقاب من الانتقام الفردي إلى الجزاء المنظّم بإسم الدولة، ومن الانفعالي إلى الفعل المؤسسي المقيّد بالقانون.
وفي هذا الإطار تبرز" العقوبة" لا كغايةٍ في ذاتها، بل كأداة ردعية قانونية وأخلاقية في آنٍ واحد، تتجسّد فيها فكرة التناسب بين الجريمة والجزاء، وتختبر من خلالها قدرة الدولة على حماية النظام العام من دون أن تنزلق إلى الإفراط في القسوة أو التفريط في الهيبة. فكلّ عقوبة في هذا البناء ليست رقماً زمنياً أو وصفاً إجرائياً فحسب، بل هي تعبير عن القيمة التي يسبغها المشرّع على الحقّ المعتدى عليه، وعن درجة الخطورة التي يسبغها على الفعل الجرمي في سلّم الحماية القانونية، بحيث يصبح التدرّج في العقوبة أحد أهم مظاهر العدالة الجزائية وأكثرها دلالةً على نضج السياسة العقابية.
وانطلاقاً من هذا التصوّر، يكتسب النقاش حول "إقتراح قانونٍ يرمي إلى منح عفو عام وخفض بعض العقوبات بشكل استثنائي" أهميةً خاصة، إذ لا يتعلق بمجرد تعديل في مدد العقوبات أو بتدبيرٍ ظرفي يرتبط بمرحلة سياسية أو اجتماعية معينة، بل يمسّ في عمقه البنية التي يقوم عليها النظام الجزائي برمّته، بحيث تتداخل فكرة العدالة مع فكرة الردع، وتتشابك الذاكرة القانونية للجريمة مع هيبة الجزاء، ويتحوّل أي تعديل في هذا المجال إلى إعادة قراءة غير مباشرة للسلّم العقابي الذي استقر عليه قانون العقوبات اللبناني. غير أنّ مراجعة الأسباب الموجبة لهذا الاقتراح تكشف عن اختلالٍ واضح في مستوى التسبيب التشريعي، فهي، وإن توسّعت في تبرير فكرة العفو العام من خلال الإحالة إلى اعتبارات إنسانية، واجتماعية، وضغط الاكتظاظ في المؤسسة العقابية… إلا أنها بقيت قاصرة عن تقديم معالجةٍ متوازية للشقّ الثاني من الاقتراح، اي خفض العقوبات بصورةٍ استثنائية.
فهذا الجزء من الاقتراح لا يقلّ أهمية من حيث الأثر، بل قد يفوق في انعكاساته البنيوية فكرة العفو العام نفسها، لأنه لا يقتصر على محو آثار العقوبة أو خفضها في حالاتٍ محددة فحسب، بل يعيد رسم مستوياتها ضمن السلّم العقابي بصورة عامة، من دون بيان كافٍ للمعايير التي تحكم هذا التحوّل أو الأسس التي تبرّر إعادة توزيع درجات العقوبة.
وتتبدّى هذه الإشكالية بصورةٍ أوضح عند استبدال عقوبة الإعدام بـ28 سنة سجنية، والأشغال المؤبدة بـ17 سنة، مع خفض سائر العقوبات بنسبٍ متفاوتة. فهذه التعديلات، وإن وردت في إطار استثنائي، إلا أنها تثير تساؤلات حول مدى انسجامها مع مبدأ التدرج العقابي الذي يقوم عليه النظام الجزائي في قانون العقوبات اللبناني، الذي يربط بين جسامة الجريمة ودرجة الجزاء.
كما أن ربط هذه الخفوضات بمفهوم "السنة السجنية" وبآليات التنفيذ العقابي المختلفة كالإفراج الشرطي والخفوضات التنفيذية، قد يؤدي عملياً الى تقليص إضافي في المدة الفعلية للعقوبة بما ينعكس على الوظيفة الردعية للعقوبة على إدراك المجتمع خطورة بعض الأفعال الجرمية.
وعليه، لا تبدو المسألة مجرد تعديل قانوني ظرفي، بل تطرح سؤالاً أوسع حول حدود استخدام الاستثناء التشريعي، ومدى قدرته على إعادة تشكيل السياسة الجزائية من دون المساس بتوازنها الداخلي. فالقضية في جوهرها لا تتعلّق بمدد العقوبات فحسب بل بالتوازنات بين هيبة الجزاء من جهة وذاكرة الجريمة من جهةٍ أخرى، اي بين ضرورة أن تبقى للعقوبة وظيفتها الردعية، وبين الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية التي يفرضها بعض الظروف الاستثنائية.
ومع ذلك، لا يزال هناك متسّع من الوقت أمام السلطة التشريعية لإعادة النظر في بعض مكامن الخلل التي يثيرها الاقتراح، سواء من ناحية الشكل التشريعي والأسباب الموجبة، أو من ناحية الأسس التي يقوم عليها خفض العقوبات ومعايير التناسب المعتمدة فيه، بما يضمن مزيداً من الانسجام مع المبادئ العامة التي تحكم السياسة الجزائية الحديثة. فالتشريع الجزائي، بحكم طبيعته واتصاله المباشر بحقوق الأفراد وأمن المجتمع، يفترض أن يُبنى على وضوحٍ في الغاية، ودقّة في المعايير وتوازن في المعالجة، بما يحول دون تحوّله، بعد إقراره إلى نصٍّ يثير إشكاليات قانونية أو يصبح عرضةً للطعن والمراجعة. ذلك أن قوة القانون لا تُقاس بقدرته على معالجة ظرفٍ آنيّ فحسب، بل ايضاً بقدرته على الصمود أمام مبادىء العدالة والتناسب واستقرار النظام القانوني.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/26/2026 10:38:00 AM
إجراءات أميركية من ضمن لائحة تُشكّل بداية لمرحلة قاسية أُبلغت بها جهات لبنانية، تفتح مساراً جديداً من الضغوط لاتخاذ إجراءات حاسمة ضد "حزب الله"
سياسة 5/26/2026 12:00:00 AM
لعل المفارقة التي ارتسمت أمس، وسط التصعيد اللاهب الذي عرفه الجنوب وشمال إسرائيل، تمثلت في أن تداعيات الاتفاق المحتمل الذي لم يولد بعد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران
فن ومشاهير 5/21/2026 8:31:00 AM

اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.


فن ومشاهير 5/24/2026 1:31:00 PM
نشر المستشار تركي آل الشيخ مقطع فيديو ظهر فيه النجمان وهما يضحكان ويوجّهان التحية إلى الكاميرا.