جمهورية الدكاترة والولاء الأعمى
محمود الخراط
يُشكّل لبنان حالة دراسية فريدة ومحيرة في آن واحد؛ فهو البلد الذي يجمع بين أعلى نسب التعلّم والكفاءات الأكاديمية في العالم العربي، وبين نظام سياسي واجتماعي مكبّل بالولاءات الطائفية التي تُعطّل التفكير النقدي لدى الفرد بمجرد استدعاء خطاب "الزعيم" أو "الطائفة". هذا التناقض الصارخ يضعنا أمام تساؤل بنيوي: كيف يتحول التعدد الطائفي من مصدر غنى حضاري إلى نقمة سياسية شلت مؤسسات الدولة؟ وهل هناك أمل للنهوض من هذا الواقع المستعصي بالاستناد إلى تجارب دولية مشابهة؟
تضع المؤشرات التعليمية لبنان في مراتب متقدمة، حيث تبلغ نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة نحو 95%، ويتصدر القائمة العربية في نسبة حاملي الشهادات الجامعية العليا لمن هم فوق 25 عاماً بـنسبة تتجاوز 23% متفوقاً على دول خليجية تمتلك ميزانيات ضخمة. ورغم هذا المخزون العلمي الهائل، يصطدم المراقب بالمشهد السياسي، حيث يذوب هذا الوعي الأكاديمي فجأة ليحل محله دفاع مستميت وغير مشروط عن الرموز الطائفية.
يرجع علماء الاجتماع هذا الانفصام إلى بناء "النظام الزبائني"؛ فالضلوع في شبكة المحاصصة جعل من زعيم الطائفة الممر الإلزامي للحصول على الحقوق الأساسية، كالطبابة والوظائف، في ظل غياب متعمد لدولة الرعاية. يضاف إلى ذلك استخدام القيادات لورقة "الخوف الوجودي" وإقناع الجماهير بأن وجود الطائفة مهدد من الشركاء في الوطن، ما يُعطّل المنطق العلمي ويُنشّط غريزة البقاء الجماعي، لتصبح الشهادة أداة لكسب العيش والذكاء المهني، لا حصانة ضد التبعية الأيديولوجية.
يمثل التنوع الديني والثقافي (18 طائفة معترف بها) تاريخياً "نعمة" منحت لبنان هامشاً واسعاً من الحرية والتعددية الإعلامية التي افتقدها محيطه الشمولي، وجعلت منه جسراً ثقافياً مشعاً بين الشرق والغرب.
لكن هذه النعمة تحولت إلى "نقمة" عندما تم تسييسها عبر نظام المحاصصة الطائفية. فالديمقراطية التوافقية تحولت إلى أداة لتعطيل المؤسسات، وفرض الفراغ الرئاسي المتكرر، وحماية الفاسدين عبر تصوير المحاسبة القانونية على أنها استهداف للمكون الديني.
هذا النظام أدى كلفة باهظة؛ فوفقاً لإحصاءات نيسان/أبريل 2026، قفز معدل البطالة في لبنان ليتجاوز 45%، وتصل النسبة في صفوف الخريجين الجدد والشباب في المناطق الريفية إلى ما بين 40% و45%. هذا الانسداد التام أنتج نزيفاً سكانياً مرعباً؛ إذ كشف تقرير المنظمة الدولية للهجرة أن نحو 242 ألف لبناني غادروا البلاد ولم يعودوا في الموجة الأخيرة الممتدة بين ايلول/سبتمبر 2024 ومارس 2026، ما يمثل تفريغاً ممنهجاً للبلد من عقوله وطاقاته الشابة.
رغم سوداوية المشهد، يثبت التاريخ الإنساني أن الأنظمة الطائفية والمأزومة ليست قدراً حتمياً، وأن هناك دولاً عاشت انقسامات وإبادات أشد دموية واستطاعت النهوض والتحول إلى منارات للاستقرار والنمو:
رواندا: بعد إبادة جماعية طائفية عام 1994 راح ضحيتها نحو 800 ألف شخص في 100 يوم فقط، نهضت البلاد عبر استراتيجية حازمة قادها بول كاغامي، ألغت الهويات الإثنية من الأوراق الرسمية، وجرمت التصنيف القبلي، وفرضت هوية "الرواندية الجامعة" بالتوازي مع طفرة تكنولوجية واقتصادية هائلة جعلتها أسرع اقتصادات أفريقيا نمواً.
سنغافورة: واجهت عند استقلالها عام 1965 صراعات عرقية ودينية دموية بين الصينيين والمالاي والهندود. استطاعت القيادة فرض سياسة "دولة المواطنة الصارمة"، وجرّمت التحريض الطائفي في الإعلام والسياسة، واعتمدت "الكفاءة" كمعيار وحيد للتوظيف والإدارة بدلاً من المحاصصة، لتصبح اليوم من أغنى دول العالم.
أيرلندا الشمالية: أنهت عقوداً من الصراع المسلح والدامي بين البروتستانت والكاثوليك عبر "اتفاق الجمعة العظيمة" عام 1998، والذي نظّم تقاسم السلطة بضمانات دستورية ودولية صارمة مع نزع سلاح الميليشيات، ما فتح الباب للازدهار الاقتصادي والأمني وتدفق الاستثمارات.
إن المقارنة بين واقع لبنان وهذه التجارب الناجحة تكشف أن الخروج من الرماد اللبناني يتطلب شروطاً موضوعية واضحة وجريئة:
1. حصر السلاح والسيادة: لا يمكن بناء دولة مستقرة دون سلطة شرعية واحدة تحتكر القوة وتطبق القانون على الجميع بالتساوي وبلا استثناءات.
2. الانتقال التدريجي نحو دولة المواطنة: البدء بفك الارتباط بين الدين والسياسة عبر قوانين مدنية موحدة للأحوال الشخصية، وإقرار قانون انتخابي وطني خارج القيد الطائفي، واعتماد معيار الكفاءة في الإدارة العامة.
3. استقلالية القضاء والمحاسبة: تفعيل المحاسبة الجنائية والمالية لكسر الحصانات التي تتدثر العباءة الطائفية لحماية الفساد.
لبنان ليس ميؤوساً منه؛ فالطاقة الحيوية لشعبه، واغترابه الفاعل الذي يقود مبادرات الصمود، تمثل أرضية خصبة للتغيير. المرض في لبنان تم تشخيصه بدقة، وهو "الطائفية السياسية" وليس التنوع الثقافي. والنهوض يبدأ عندما يقرر الجيل الشاب والنخب المستقلة تحويل وعيهم الأكاديمي المتقدم إلى قوة سياسية تفرض "دولة المواطنة" وتسترد المؤسسات من أيدي منظومة المحاصصة، ليعود لبنان موطناً للإنسان لا ساحة للطوائف.
نبض