أبعاد الانكشاف الجيوسياسي والأزمة المالية الأميركية في 2026
أكرم بزي - كاتب وباحث سياسي لبناني
يشهد المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي تحولاتٍ جوهرية تعيد رسم موازين القوى وتنهي عقوداً من الهيمنة الأحادية، بحيث تتبلور تحالفات إقليمية ودولية جديدة خارج نطاق السيطرة الأميركية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي مؤشرات ركود وتضخم حادة. ويقدم عالم السياسة الأميركي البروفسور روبرت پيپ، المتخصص في الأمن الدولي بجامعة شيكاغو ومدير مركز "شيكاغو للأمن والتهديدات" " (CPOST) ، تحليلاً عميقاً لهذه المستجدات في أطروحاته الصادرة بين نيسان/أبريل وأيار/مايو 2026، والتي تتقاطع في أبعادها الهيكلية مع الرؤية الاقتصادية النقدية التي يطرحها البروفسور ريتشارد وولف، أستاذ الاقتصاد الماركسي بجامعة ماساتشوستس، حول التراجع البنيوي للإمبراطورية الأميركية.
ويتضح من خلال رصد الحركة الديبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط، أن دول المنطقة بدأت تتحرك وفق مصالحها الذاتية بعد إدراكها تراجع القدرة الأميركية على إدارة الأزمات، وهو ما يظهر جلياً في المحادثات المباشرة التي تجريها إيران مع قوى إقليمية ودولية مثل باكستان وروسيا وسلطنة عمان من دون إشراك واشنطن.
ولم يعد هذا التفكك في شبكة التحالفات التقليدية مقتصراً على القوى الإقليمية، بل امتد إلى الحلفاء الغربيين، بحيث باتت أطراف أوروبية، كألمانيا، تتحدث علناً عن تراجع الهيبة الأميركية على المسرح الدولي.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي صعد إلى المستشارية الألمانية في ربيع 2026 عقب الانتخابات الأخيرة، لتؤكد في قمة الأمن الأوروبية أن إيران أثبتت قوة تفوق التقديرات الغربية السابقة، وهو تصريح يحمل في طياته نقداً هيكلياً لأجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات الغربية التي عجزت عن تقدير قوة الخصوم. وفي المقابل، عكست الردود السياسية المتبادلة حالة من عدم الاتزان في إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي واجهت انتقاداتٍ حادة بسبب عجزها عن تقديم إستراتيجية متماسكة، واعتمادها على تصريحات متضاربة وإجراءات وصفت بالهشاشة في فهم طبيعة الصراع المعقد، خصوصاً مع التغييرات والإقالات المستمرة داخل وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) تحت قيادة الوزير ا بيت هيغسيث الذي باشر تعديلاته الهيكلية مطلع 2026.
وتتجلى أزمة غياب الدور الأميركي كضامن أساسي للاستقرار الإقليمي في تفكك الأطر التعاونية التقليدية في منطقة الخليج، والتي كان خروج دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة "أوبك" أحد أبرز مؤشراتها الدالة على سعي الدول الى تأمين مصالحها النفطية والسياسية بشكل مستقل. ويتزامن هذا التحلل الجيوسياسي مع وصول أزمة النفط العالمية إلى مستوى حرج؛ فبعد أن اقتصرت المرحلة الأولى للأزمة على ارتفاع الأسعار، بدأت الأسواق تشهد نقصا فعلياً في الإمدادات تتضح آثاره العميقة في النصف الأول من هذه السنة، وتحديداً في منتصف أيار/مايو الجاري، مما ينذر بموجةٍ تضخمية واسعة يرافقها ارتفاع ملحوظ في معدلات البطالة. ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان مؤشر البؤس (Misery Index) الذي صاغه الاقتصادي آثر أوكون وصعد إلى الواجهة في سبعينات القرن الماضي عندما قفزت أسعار الفائدة على القروض والتقسيط إلى مستوياتٍ قياسية بلغت 16٪، بينما تقف الفائدة الفيدرالية الأميركية في الشهر الجاري عند معدل مرتفع يبلغ 6.75٪، وهو ما يشكل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الذي يحتاج إلى خفض هذه النسبة إلى حدود 3٪ لاستعادة توازنه، ما يدفع المحللين الى توقع بروز "مؤشر بؤسٍ" جديد يرتبط بالسياسات الاقتصادية الراهنة لترامب.
وفي ظل هذا التراجع في قدرة الردع الأميركية، فرضت إيران شروطاً ميدانية جديدة للسيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، منها التنسيق المسبق مع قواتها المسلحة وفرض رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة تمر عبره. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى تحقيق عوائد مالية تناهز 60 مليار دولار سنوياً بناء على معدلات العبور الإجمالية، لتمثل مع أرباح مبيعات النفط الإيراني رافعةً اقتصادية ضخمة تلتف بها على العقوبات. ويسير هذا النفوذ الاقتصادي والميداني بالتوازي مع موقفٍ إيراني صارم يرفض العودة إلى المفاوضات النووية، ما يمهد الطريق عملياً لتطوير قدرات تسليحية رادعة خلال العام المقبل. ويرى خبراء الأمن الدولي أن امتلاك طهران سلاحاً نووياً قد يفرض معادلة ردعٍ نهائية تمنع المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، في ظل المخاوف من خروج القرارات العسكرية الإسرائيلية عن حدود السيطرة الأميركية، رغم ما قد يترتب عن ذلك من سباق تسلحٍ نووي إقليمي يشمل دولاً أخرى كالسعودية ومصر وتركيا لحماية أمنها القومي.
وتسعى إيران، عبر تحركاتها الإستراتيجية المنفردة وتنسيقها المتصاعد مع باكستان وروسيا، إلى تكريس حضورها كمركزٍ رابع للقوى العالمية، مستندة إلى سيطرتها المستمرة على خِمس طاقة العالم، وهو ما حلله البروفسور پيپ في أطروحاته الأخيرة المنشورة قبل زهاء أسبوعين حول تشكل القطبية الجديدة، رغم استمرار النقاش الأكاديمي حول مدى اكتمال المقومات العسكرية والتحالفية لإيران لتبوّؤ هذه المكانة دولياً. ويظهر الترابط الجيوسياسي للأزمات قيام واشنطن باستنزاف مخزونها الإستراتيجي من منظومات الدفاع الجوي، مثل صواريخ باتريوت وأنظمة ثاد لنشرها في الشرق الأوسط، ما يترك جبهاتٍ حيوية أخرى مثل تايوان مكشوفة عسكرياً أمام التحركات الصينية، ويؤكد نجاح التنسيق الروسي- الإيراني في استدراج القدرات الأميركية في ظل انشغال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحربه المستمرة ضد الغرب.
وتدعم المؤشرات الماكرواقتصادية التي يرصدها البروفسور ريتشارد وولف في برنامجه التحليلي الدوري (Economic Update) هذا التحليل؛ إذ يمر الداخل الأميركي بأزمة هيكلية خانقة تمثلت في تجاوز الدين العام الأميركي هذا الشهر حاجز 39 تريليون دولار، مع توقعات ببلوغ عجز الموازنة السنوية لعام 2027 ما بين تريليونين وثلاثة تريليونات دولار، وفق أحدث تقارير مكتب الموازنة بالكونغرس (CBO). ويرى وولف أن اللجوء إلى الحروب الاقتصادية وفرض الرسوم الجمركية الحمائية ما هو إلا محاولة لتغطية التراجع الإنتاجي الأميركي أمام الصين، والهروب من الأزمات المالية الداخلية بفتح جبهات صراع خارجي لم تعد الإدارة الأميركية تمتلك الأدوات العسكرية أو الاقتصادية الحاسمة لإدارتها، مما يثبت وجاهة القراءة الميدانية والفكرية التي ترى أن معادلات القوة العالمية قد تغيرت بشكلٍ غير قابل للعكس، وباتت تتطلب عقليةً نقدية جديدة تتجاوز السياسات الراهنة.
نبض