العفو العام في لبنان: حين تُطفأ الجريمة بالقانون

منبر 22-05-2026 | 13:40

العفو العام في لبنان: حين تُطفأ الجريمة بالقانون

في لبنان، لا يُطرح العفو العام كإجراء قانوني عابر، بل كملف يختصر طبيعة النظام السياسي نفسه، حيث تتداخل العدالة مع الحسابات الطائفية، وتتقدّم التسويات أحياناً على مفهوم المحاسبة.
العفو العام في لبنان: حين تُطفأ الجريمة بالقانون
اعتراض انصار الاسير على قانون العفو العام
Smaller Bigger

فرانسيسكا موسى

 

 

 

في لبنان، لا يُطرح العفو العام كإجراء قانوني عابر، بل كملف يختصر طبيعة النظام السياسي نفسه، حيث تتداخل العدالة مع الحسابات الطائفية، وتتقدّم التسويات أحياناً على مفهوم المحاسبة. ومع كل أزمة سياسية أو اجتماعية، يعود الحديث عن العفو العام إلى الواجهة، لا باعتباره حلاً قضائياً فقط، بل كأداة لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية وامتصاص الاحتقان الشعبي والسياسي.
قانونياً، يُعرَّف العفو العام بأنه قانون يصدر عن مجلس النواب يؤدي إلى إسقاط الجريمة والعقوبة معاً، وكأن الفعل لم يحدث أصلاً. وهو بذلك يتجاوز فكرة تخفيف العقوبة أو إسقاطها، ليطال جوهر الجريمة نفسها. ومن هنا، يُعتبر من أخطر التدابير التشريعية، لأنه يمسّ مباشرة مفهوم العدالة وحقوق الضحايا وهيبة القضاء. وقد شكّل قانون العفو العام الصادر عام 1991 بعد الحرب الأهلية اللبنانية أبرز مثال على ذلك. ففي لحظة سياسية هدفت إلى إنهاء الحرب وفتح صفحة جديدة، اختارت الدولة منطق العفو مقابل الاستقرار، فأُغلقت ملفات آلاف الجرائم والانتهاكات من دون محاكمات حقيقية أو مسار واضح للعدالة الانتقالية. ورغم أنّ القانون ساهم في تثبيت السلم الأهلي نسبياً، إلا أنّه ترك خلفه ذاكرة مثقلة بالأسئلة والوجع، خصوصاً لدى عائلات المفقودين والضحايا الذين لم يحصلوا يوماً على حقيقة أو محاسبة. ومنذ ذلك الحين، بات العفو العام في لبنان يرتبط غالباً بالمساومات السياسية أكثر من ارتباطه بالمبادئ القانونية. فكل مشروع عفو جديد يُطرح ضمن توازنات دقيقة: هذا الفريق يطالب بشمول موقوفين إسلاميين، وآخر يدافع عن مطلوبين في قضايا مخدرات أو إطلاق نار، فيما تُستخدم الملفات القضائية أحياناً كورقة تفاوض انتخابية أو طائفية. وهكذا، يتحول القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى مساحة لتقاطع المصالح السياسية. ففي المقابل، لا يمكن تجاهل الواقع الإنساني المتدهور داخل السجون اللبنانية. فالاكتظاظ، وتأخر المحاكمات، وانهيار البنية القضائية، جعلت من السجون مرآة لأزمة الدولة نفسها. آلاف الموقوفين ينتظرون سنوات من دون أحكام نهائية، في مخالفة واضحة لمبدأ المحاكمة العادلة ضمن مهلة معقولة، وهو حق تكفله القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان. هنا، يصبح النقاش أكثر تعقيداً: هل يُستخدم العفو العام كحل إنساني لخلل قضائي مزمن، أم كوسيلة للهروب من إصلاح القضاء أصلاً؟
الخطورة لا تكمن فقط في إصدار العفو، بل في غياب المعايير الواضحة التي تحدد حدوده. ففي الدول التي تعتمد مفهوم العدالة الانتقالية، يأتي العفو ضمن مسار متكامل يشمل كشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، والإصلاح المؤسساتي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. أما في لبنان، فكثيراً ما يُطرح العفو كقرار سياسي منفصل عن أي إصلاح فعلي، ما يعمّق شعور اللبنانيين بأن العدالة انتقائية وخاضعة لموازين القوى.
وبين من يعتبر العفو ضرورة إنسانية واجتماعية، ومن يراه تكريساً للإفلات من العقاب، يبقى لبنان عالقاً بين مفهومين للدولة: دولة القانون التي تقوم على المحاسبة، ودولة التسويات التي تقوم على توازن المصالح. وفي بلد لم يحاسب يوماً على جرائم الحرب، ولم يبنِ بعد قضاءً مستقلاً بالكامل، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: كيف يمكن لدولة أن تطلب من مواطنيها احترام القانون، فيما هي نفسها تعتاد إسقاطه كلما اشتدت الأزمات؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/4/2026 11:17:00 PM
حمل الجنسيتين السورية واللبنانية ومتورط في جرائم مخدرات مرتبطة بالإرهاب.
سياسة 7/4/2026 3:04:00 PM

بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.

حول العالم 7/4/2026 10:27:00 AM
يُعد الهيمبا من أكثر القبائل وداً في أفريقيا، لكنهم يرفضون أي ممارسات قد تهدد قيمهم وتقاليدهم.

فن ومشاهير 7/3/2026 11:00:00 AM
كشفت النجمة لبلبة في برنامج باب الخلق مع محمود سعد عن الأسباب الحقيقية وراء عدم زواجها مجدداً بعد الفنان حسن يوسف، وعلاقة النجم الكبير عادل إمام بالأمر.