على خطى القديس أنطونيوس الكبير… داريو إسكوبار والعازر الأنطوني وسحر رهبنة الشرق
فبينما تتغيّر المدن، وتعلو أصوات السياسة والحروب والمال، يبقى هناك رجال يختارون طريقاً آخر: طريق الصمت، والفقر، والصلاة.
جرجس منير حنا - مصر
في الشرق المسيحي، لا تزال الرهبنة قادرة على أن تُدهش العالم.
فبينما تتغيّر المدن، وتعلو أصوات السياسة والحروب والمال، يبقى هناك رجال يختارون طريقاً آخر: طريق الصمت، والفقر، والصلاة.
رجال يتركون العالم لا كراهيةً له، بل بحثاً عن الله في عمق البرية، و على خطى القديس أنطونيوس الكبير الذي حوّل صحراء الشرق إلى مدرسةٍ للقداسة.
لقد رحل منذ أيام عن عالمنا الفاني الأب الحبيس داريو إسكوبار، الكولومبي الذي جاء من أقاصي أميركا اللاتينية إلى وادي قنوبين شمال لبنان، تاركاً وراءه عالماً ارتبطت فيه مدينته ميديلين بالمال والمخدرات والعنف. لكنه اختار لنفسه طريقاً معاكساً تماماً؛ طريق النسك والصلاة والفقر الطوعي، ليعيش في صمت البرية باحثاً عن الله بعيداً من ضجيج العالم وإغراءاته.
وفي المقابل، تبرز سيرة الراهب العازر الأنطوني، الذي لا يزال يعيش متوحداً في جبل دير القديس أنطونيوس الكبير حتي يومنا هذا، شاهداً حيّاً على أن روح الرهبنة الشرقية لم تخفت، وأن برية الشرق لا تزال قادرة على أن تنجب رجالاً يتركون العالم بكل ما فيه بحثاً عن الله.
كلاهما جاء من عالم بعيد عن الصحراء الشرقية، لكن الشرق جذب قلبيهما.
داريو إسكوبار كان لاعب كرة قدم وأستاذاً في اللاهوت وعلم النفس، يتقن لغات عدة، وكان يستطيع أن يعيش حياة أكاديمية مريحة.
أما العازر الأنطوني، فبحسب الرواية المتداولة، كان أستاذاً في كلية الإلحاد بروسيا، يعيش في عالم الفكر البارد والعقل المجرد، قبل أن تقلبه لحظة روحية غيّرت حياته بالكامل.
وبين الرجلين خيطٌ واحد: لحظة نداء داخلي جعلتهما يتركان كل شيء ويسيران نحو البرية.
وهنا يظهر سحر رهبنة الشرق.
فالشرق المسيحي لا يبهر العالم بقوة المؤسسات أو ضخامة الكنائس، بل بقوة الإنسان الذي يختبئ في مغارة، ويصير حضوره أعمق من ضجيج المدن. في وادي قنوبين، عاش داريو سنوات طويلة بعيداً من التكنولوجيا والضوضاء، يوزّع يومه بين أربع عشرة ساعة صلاة والعمل اليدوي والصمت.
وفي جبل القديس أنطونيوس، يعيش العازر الأنطوني حياة التوحد نفسها منذ رهبنته عام 1936، في عزلة قاسية لا يحتملها كثيرون، وكأن البرية لا تزال تُعيد إنتاج مشهد الآباء الأوائل.
الاثنان لم يكونا شرقيين بالميلاد، لكنهما صارا شرقيين بالروح.
وهذا ما يميّز الرهبنة الشرقية منذ قرون: قدرتها العجيبة على جذب الباحثين عن العمق.
فالصحراء المصرية ووديان لبنان لم تكن يوماً مجرد أماكن جغرافية، بل صارت أيقونة روحية للعالم كله. ومنذ زمن وحتى اليوم، لا يزال الشرق يقدّم صورة الإنسان الذي يهرب من العالم لا خوفاً منه، بل لكي يحمل العالم في صلاته.
و اللافت في سيرة الأب داريو إسكوبار أنه جاء من مدينة ارتبط اسمها عالمياً ببابلو إسكوبار، رمز المال والجريمة، لكنه اختار النقيض الكامل: الفقر والصلاة. وكأن حياته كانت رسالة تقول إن الإنسان يستطيع دائماً أن يختار طريقاً آخر.
وكذلك العازر الأنطوني، الذي انتقل وفق سيرته المتداولة فقد تحول من الإلحاد إلى أقصى درجات النسك والتوحد، ليصبح شاهداً على قدرة الإيمان على تغيير الإنسان جذرياً.
في زمنٍ صار فيه كل شيء يُقاس بالشهرة والمتابعين والظهور، يقدّم هذان الناسكان صورةً معاكسة تماماً: رجال اختاروا الاختفاء، لكنهم صاروا أكثر حضوراً من كثيرين.
لم يبنيا إمبراطوريات، ولم يسعيا إلى نفوذ، بل بنيا حياتهما على الصمت. ومع ذلك، صار اسماهما مصدر إلهام لآلاف المؤمنين الذين يرون فيهما امتداداً حيّاً لروح الرهبنة الأولى.
إن المقارنة بين الأب الحبيس داريو إسكوبار والراهب العازر الأنطوني ليست مقارنة بين شخصين فقط، بل بين تجربتين تؤكدان أن الرهبنة الشرقية لا تزال حيّة. وأن مدرسة البرية التي بدأها القديس أنطونيوس الكبير أب الرهبنة، قبل سبعة عشر قرناً لم تتحول إلى مجرد تاريخ، بل لا تزال قادرة على جذب النفوس من أقاصي الأرض إلى كهوف الجبال ووديان الصلاة.
رحل داريو إسكوبار، ومازال العازر الأنطوني يعيش بيننا، لكن الرسالة واحدة:
إن الشرق المسيحي لا يزال يحتفظ بسرّه العميق… سر الإنسان الذي يترك العالم كله، لكي يجد الله في الصمت.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الأمن العام اللبناني ينفي... ما علاقة "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني؟
نبض