وصايا فجر التحرير ... ومدرسة الصدر
عبدالله ناصرالدين
في 25 أيار عام 2000، لم يكن التحرير مجرد انسحابٍ لجيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان، بل كان ولادةً جديدة لفكرة الوطن المقاوم، وانتصاراً لفلسفةٍ آمن بها الإمام موسى الصدر منذ بدايات مشروعه الوطن، فلسفة ترى أن الإنسان لا يمكن أن يكون حراً ما دامت أرضه محتلة، وأن الدولة لا تكتمل إلا بحماية كرامة شعبها وحدودها وسيادتها.
لقد شكّل الإمام الصدر حالةً فكرية استثنائية في لبنان والمنطقة، حين نقل مفهوم المقاومة من ردّة فعل عسكرية إلى مشروع إنساني ووطني وأخلاقي. ففي زمنٍ كانت فيه الطائفية تتغلغل في بنية الدولة، رفع الإمام شعار "السلاح زينة الرجال حين يكون دفاعاً عن الوطن"، مؤكداً أن مقاومة الاحتلال ليست خياراً سياسياً عابراً، بل واجباً وطنياً وأخلاقياً تحفظه الشرائع والقوانين وكرامة الشعوب.
آمن الإمام بأن الجنوب اللبناني ليس هامشاً مهملاً، بل قلب الوطن النابض. ولذلك خاض معارك الحرمان والتنمية والدفاع عن الأرض بالتوازي، لأن التحرير في فكره لم يكن تحرير الجغرافيا فقط، بل تحرير الإنسان من الخوف والفقر والإذلال والإهمال. ومن هنا جاءت "حركة المحرومين" كصرخة وطنية جامعة، أرادت بناء دولة عادلة تحمي أبناءها، وتمنحهم حق الحياة الكريمة، وتمنع عنهم عدوان الاحتلال والتهميش الداخلي معاً.
هذه المدرسة الفكرية والوطنية، حمل رايتها لاحقاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي واكب المقاومة في أصعب مراحلها، وحافظ على خيارها الوطني كجزء من معادلة حماية لبنان. فمنذ سنوات الاحتلال وحتى لحظة التحرير، لعب رئيس المجلس دوراً محورياً في تثبيت البيئة الوطنية والسياسية الداعمة للمقاومة، مدركاً أن أي مشروع تحرري يحتاج إلى غطاءٍ وطني، وإلى وحدة داخلية تمنع العدو من الاستثمار في الانقسامات.
لقد كان بري امتداداً عملياً لفكر الإمام الصدر، خصوصاً في إيمانه بأن المقاومة لا تنفصل عن الدولة، بل تحميها حين تعجز التوازنات الدولية عن حماية الحقوق اللبنانية. لذلك، بقي متمسكاً بمعادلة القوة الوطنية الجامعة، التي تعتبر أن حماية الجنوب والكرامة الوطنية مسؤولية جماعية، لا تخص فئة دون أخرى.
وفي ذكرى عيد المقاومة والتحرير، يعود اللبنانيون إلى تلك اللحظة التاريخية التي سقطت فيها أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، أمام إرادة شعبٍ تمسك بأرضه وحقه. يومها، لم يكن التحرير إنجازاً عسكرياً فقط، بل انتصاراً لفكر الصدر، ونهجٍ آمن بأن الأوطان تُحمى بالصبر والوحدة والتضحية، وأن المقاومة ليست ثقافة موت، بل ثقافة حياة تحفظ الأرض والإنسان والهوية.
ويبقى 25 أيار شاهداً على أن الشعوب التي تؤمن بحقها، وتصنع وحدتها حول وطنها، قادرة على تحويل الألم إلى نصر، والاحتلال إلى صفحةٍ من الماضي.
نبض