التربية والمواطنة

منبر 21-05-2026 | 13:37

التربية والمواطنة

كل صرح يقوم على أسس إذا اختلّت تفكّك وتداعى.
والوطن صرح كبير، دعائمه الحضارة والتراث والثقافة ، إذا تضافرت نما وازدهر واستّمر متطوراً.
التربية والمواطنة
طارت بها الكتب قالت: تلك لبنان
Smaller Bigger

الدكتور جورج شكيب سعادة


كل صرح يقوم على أسس إذا اختلّت تفكّك وتداعى.
والوطن صرح كبير، دعائمه الحضارة والتراث والثقافة ، إذا تضافرت نما وازدهر واستّمر متطوراً.
والوطن اللبناني ، على صغره، يقوم على دعائم تترسّخ في المكان وتتحدّى الزمان. والتربية هي أهّم الدعائم، بل هي الركن الذي يمسك بالأجزاء جميعاً ويكتب لها الديمومة والسلامة.
لقد كان لبنان بالتربية والثقافة منارةً بين الشرق والغرب. ولا نتّوقف عند القديم المتواري. بل ننطلق من تاريخ انشاء المدرسة المارونية في روما عام 1584، التي أدّت أدواراً ثقافيّة تربوية. شعّ نورها في الجبل اللبناني وضواحيه بمن خرجت من مقامات وطنيّة، بصفات علميّة إنسانيّة، ولم تكن طائفيّة متزّمتة ـ إذ استقت من الشرق والغرب معاً، ما هو أفضل وأجدى.
والنهضة التي شاعت منذ مطلع القرن السّابع عشر ـ وتنامت فتكاملت في القرنين التاسع عشر والعشرين، قامت بدرجة أولى على التربية بجميع وجوهها الإيجابيّة، فحاولت طمس الصراعات، وساهمت في ترسيخ الأسس اللبنانيّة وإعلاء شأن الكيان .
فهل نحن اليوم نحافظ على سلامة المسيرة التربوية أم أنّ خللاً يعتريها في أكثر من وجه، في ظلّ هذا الإضطراب الوطني والإقليمي، والفوضى العالميّة؟
للتربيّة محطّات ومنطلقات متّدرجة، من العائلة إلى المدرسة والجامعة والجمعيات والدين، وسياجها الحافظ هو الدولة والقوانين .
قبل أكثر من عشرين عاماً قلنا للقيّمين مدنيين ودينيين، أننّا بدأنا نعاني خللاً فاضحاً في المسيرة التربوية الوطنيّة، بسبب الحرب ومفاسدها - والتهجير وثماره المرّة- ما سيجعل طلاّبنا لاحقاً أمام وجهتين إمّا الفوضى والملاهي وإما الهجرة ونسيان الوطن .
وها نحن اليوم ، في حالة تربوية لا نحسد عليها، لأنّ الفوضى القائمة إذا استّمرت فسوف تهدّد الوطن في تاريخه والحاضر، وتقضي على مستقبل من تبقّى من أبنائه .
نشهد تفكّكاً في العائلة لأسباب منها: الحرب والفوضى، وتراجع الاقتصاد وشيوع وسائل التواصل دون الإقتصار على أخذ المفيد منها. هذا التّفكك يتّم بين الأهل والأولاد، وتتراخى روابط الأولاد في ما بينهم. وتصيب بعض المدارس حالة من الفوضى، فمعظم الطّلاب في طيش واستهتار، والمعلمون في فقر وقنوط، والمناهج في اضطراب ولا سيّما منها المواد الإجتماعيّة .
والمؤسسات الدينيّة، بعضها على الأقّل، إمّا متزمت، متّمسك باعتماد ما كان، وإما متفلّت لم يجد بعدُ الطريق الى ما يجب أن نكون .
أمّا المؤسسات الرسميّة ، فتسجّل إرباكاً في تحديث القوانين التربوية والإجتماعية، وإذا صادف أن حدّثتها، فلا نستطيع تطبيقها.
وما حدث قبل بضعة أيّام في إحدى مدارس بيروت خير دليل على الحالة المزرية التي وصل إليها التلاميذ، والخلل الذي يصيب الإدارات والأساتذة وبالتالي التلاميذ.
فيا أيّها السّادة المسؤولون في سائر القطاعات التربويّة، إذا كنتم مسيحييّن، فعودوا إلى تعاليم السيّد المسيح والرسل في التواضع والقناعة والرحمة والمحبّة .
المحبّة أساس، ألم يقل أحد الرسل الإنجليين "إذا كنتم تملكون كلّ شيء وليس عندكم المحبّة فأنتم لا تملكون شيئاً". وإذا كنتم مسلمين فعودوا إلى القرآن الكريم في التسامح والتواضع والرحمة والإشفاق على الفقير واليتيم المقهور.
أيّها السادة، نحن اليوم في حال تشتّت، تنحلّ القيم الإنسانيّة الدينيّة في قلوبنا وندّعي التّطور، فنتوهّم أننا نسير إلى الأمام غير أننا في الواقع نسير الى الوراء . فكلّ امرىء أو جماعة لا يسيرون باتجاه اللّه من خلال الإيمان والقيم هم متخلّفون حقّاً، وليس كلّ تطّور تقدّماً.
أيّها المسؤولون على مختلف المستويات من النواة الصغيرة العائلة إلى المدرسة، إلى الوزارات والإدارات الرّسميّة ورجال الدين، قصّروا المسافة بين القلب واللّسان. فإذا صفت قلوبكم، وسلمت نياتكم، فتتمكنون من إعادة الأمور إلى نصابها السليم.
علّموا الأجيال معرفة الوجوه الجيّدة من التاري ، وافتحوا لها الدرب إلى القيم، قبل أن ينهار هذا الصرح الوطني العريق المهدّد بالزوال.
وعليكم في ذلك كبح جماح القفص، والتركيز على الإنضباط والإتفاق على القيم الواجب ترسيخها. فهناك قيم مشتركة بين المسيحيّة والإسلام. فلتنهض وزارة التربيّة إلى إنشاء هيئة عليا تضع هذه القيم موضع التنفيذ، وتحدّ من تطرف بعض المدارس التي تربيّ على التعصّب والتزّمت، ومواجهة مخالفيها باسم الدين والدعوة إلى رفض الأخر.
"إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" وليس لتتقاتلوا.
ولكن أيّها السّادة مهما طغى الشّر، وتمادت الفوضى والأحقاد، فلبنان لن يزول ما دام فيه أقوام صالحون وقديسون وأولياء قادرون على إقامة الصلات بين الأرض والسماء.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/20/2026 3:21:00 AM
أحمد الشرع يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات والده المثيرة للجدل
آراء 5/20/2026 1:56:00 PM
تتوافق بعض المذاهب الإسلامية في موضوع الإمام المهدي وتختلف في النَسب والتفاصيل...
اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
لبنان 5/20/2026 11:06:00 AM
إمكان مقاطعة عدد كبير من النواب السنّة للجلسة التشريعية غداً