نضْحُ الكلمات من أجساد المعاني قراءة في «ماء الكلام» لوليد حسين الخطيب

منبر 21-05-2026 | 09:52

نضْحُ الكلمات من أجساد المعاني قراءة في «ماء الكلام» لوليد حسين الخطيب

نضْحُ الكلمات من أجساد المعاني قراءة في «ماء الكلام» لوليد حسين الخطيب
«ماء الكلام» لوليد حسين الخطيب
Smaller Bigger

خالد كموني

 

 

 في كتاب ماء الكلام: رحلة ثقافية الصادر عن دار الانتشار العربي، في 152 صفحة، والذي قدّم له الأديب الفرنكوفوني عيسى مخلوف، لا تكتفي الكلمات بأوضاعها التقليدية، بل تمور وتحور لتغرف من صور الواقع ومشاهده ما يملأ السعة الدلالية للمعاني المعيشة.
 تتجلّى هذه الفكرة في حلقات تسلسلت معها المفردات تكشُّفاً وتظَهُّراً بوعيٍ لا يُغلِقُ استقبال المعنى الممكن في الحدث، فالكلمة هنا ليست نتيجة نهائية، بل مسارٌ طويل من التحوّلات. ففي معالجته مفاهيم «العقل»، و«الحب»، و«الأنس»، أو «الإيمان والأمان»... وغيرها من المفردات التي استقاها من التجربة الحية، نجد أثر التراكم المضاف على المعاني الأصلية، واضحاً في اشتماله على البعدين الاجتماعي والسياسي الفاعلين في الاستخدام التداولي للفظ اليوم.
وفي كل مرةٍ يُقارِبُ جذراً بسيطاً، نلاحظ التنقُّلَ المتقن بين ملاحقة المعاني المجرَّدة أو تلك الشكليَّة حتى في بنية الكلمة الواحدة، بحيث نلمس الإجراء الكيفي الذي يمارسُه الإنسان حين يسمّي العالم. فالجذر ليس صورةَ اللفظ النُّصْبَة، بل هي الحال التي تحتاجُ إلى الكائن الرائي الذي يُنتِجُ رؤية العالم، من خلال تسميته أشياء العالم، بحسب فاعليته الحية الحضورية في الحدث.
وفي حلقاتٍ تناولت البعدَ الفلسفي للغة، وجدنا كلمات مثل «الحضور»، و«الحياة»، و«الحركة»، لا تُقرأ معانيها اللغوية فحسب، بل بهذه العلاقة التبادليَّة القصدية بين الفكر واللغة، والتي تحيل الألفاظ إلى مصطلحات مفاتيح للتفاعل التفسيري مع الوجود الراهن. كأنّ اللغة هنا، مطالبَةٌ أن تتساوَق مع التطور التقني والرقمي، وأثر هذا الانفتاح المعرفي في تشكيل الكلمات الملائمة.
ما يميّز هذا المسار أنّه لا يفصل بين اللغة والثقافة. فالكلمة لا تُفهَمُ بذاتِها، بل بحلِّها في الواقع، أي بحركتها التي تبقى قيدَ التحوُّل والتغيُّر، بما يضمنُ استمرار الحاجةِ إلى وجودِها في الزمن الحاضر، إذ إن الثقافة هي التي تملأ مضامين اللفظ بثور الواقع، حتى يشتمِلَ الحديثُ فهوماتٍ مشتركةٍ للوجدان الفكري الذي يتعامل مع موضوعات العلوم والمعرفة. إذاً، ما يتضمنه الكتاب ليس درساً في قواعد اللغة العربية، بل نزهةً قصيرة مقتضبة، في مشهديتها الراهنة. وهذا الاشتغال ليس ترفاً تحليليّاً، بل هو التفاتةٌ لا بد منها إلى سيرورة الألفاظ في مجالِها. فالسرد في ماء الكلام يظلّ قريباً من القارئ العادي، رغم تعمُّقه في بعض الأصول؛ إذ تُقدَّم المفاهيم بطريقة تتيح التأملَ لمَن يشتهيه، كما تمنح الفهمَ المباشر من دون تبسيط يُخلُّ بمتانة الأصول. وهذا يتيح التجريب الفردي للكلمات المستخدمة، أي إمكان التمعُّن في فحواها أثناء عركِها في الكلام اليومي.
 إنّ ما تفعله هذه الحلقات، في مجموعها، هو الحرصُ على استمرار العلاقة الماتِعةِ بين القارئ واللغة. علاقة قوامُها الإنصاتُ للصوت الداخلي في وجدان كلٍّ منا، علنا نغادر حال السذاجةِ في كثيرٍ من المواقف، لنعتبِرَ لحظات الابتداء والتأمُّل، إذ صارَ لازماً أن نفارقَ حال الاستهلاك المضني للغة الآخر، بحجة السرعة والتكيُّف المباشر مع مواكبة التطور والتقدم.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/20/2026 3:21:00 AM
أحمد الشرع يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات والده المثيرة للجدل
آراء 5/20/2026 1:56:00 PM
تتوافق بعض المذاهب الإسلامية في موضوع الإمام المهدي وتختلف في النَسب والتفاصيل...
اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
لبنان 5/20/2026 11:06:00 AM
إمكان مقاطعة عدد كبير من النواب السنّة للجلسة التشريعية غداً