زيارة ترامب للصين: يد فارغة وأخرى لاشيء فيها
صبري الرابحي - تونس
تقول الحكمة الصينية القديمة "اعرف نفسك واعرف عدوك، ولن تُهزم أبداً في مئة معركة"، وهي على ما يبدو الحكمة الأقرب للدلالة على استراتيجيا الصين في التعامل مع أعدائها مهما كان نوع الحرب التي فرضت المواجهة، بل إنها على ما يبدو الطريقة الأكثر ذكاء وتهذيباً في الإشارة إلى الأعداء بوضوح.
استقبال ترامب في بيكين:
لم يكن استقبال ترامب في بيكين ذا طابع ملكي كدأب عديد الدول في استقبال قيادات الإدارة الأميركية عبر التاريخ. لا بذخ ولا هدايا ولا استعراض جنوني للإمكانيات للتماهي ولو بالإشارة مع مقام الضيف، فقط انضباط بروتوكولي لمقتضيات استقبال رئيس بلد صديق، صداقة الدبلوماسية والتمثيليات المشتركة لا غير.
وإن أردنا التعريف الأكثر واقعية، فإنه استقبال لعدوّ في ثوب الصديق من أجل مصالح مشتركة، وهو ربما السبب الأكثر منطقية في حصر الاستقبال في البروتوكولات المعهودة وتجنّب كل ما من شأنه إظهار أي علاقة خارج إطار "العدوّ المعروف" بين البلدين.
طموح ترامب داخل سور الصين العظيم:
يعلم ترامب بدوره أنه لا بديل عن تحقيق المنافع المشتركة بين البلدين، وأن أهم ما يمكن أن يفيدهما هو دفع الشركات الكبرى نحو إبرام شراكات عدة تخدم حالة التوازن المنشود الذي لم تحققه وسائل ترامب الضريبية لأكثر من سنة تقريباً.
وفد ترامب جمع العديد من المدراء التنفيذيين لكبرى الشركات الأميركية مثل انفيديا وبوينغ وتيسلا وستارلينك وغيرها من الشركات التي يرى ترامب أنه يمكنها أن تدق أبواب السوق الصينية أو على الأقل أن تكون حاضرة في الجزء الشرقي من آسيا الذي لطالما كان عصيّاً على الشركات الأميركية وحققت فيه الصين السيطرة الكاملة ومنه أسست منصاتها للإقلاع في مجالات واسعة في العالم.
ورغم طموح ترامب الكبير، فإنه يبدو أن أغلب اللقاءات حملت فقط تفاهمات عدة حول شراكات مستقبلية مؤجلة والتي قد لا ترى النور عدا صفقة الـ200 طائرة بوينغ التي يعوّل من خلالها ترامب على إنقاذ الشركة من الإفلاس المؤجل وتسويق الخبر على أنه أكبر نجاحات زيارته التي لم تكن مثمرة بالحد المطلوب من رئيس يزعم أن بإمكانه جعل أميركا عظيمة مجدداً بأسلوبه وتحالفاته وتصريحاته وحتى بتجرؤه على طرق أبواب الأعداء التاريخيين.
الصين والمائة معركة:
تعلم الصين جيداً رمزية اللحظة التي أتت بترامب بعد أكثر من سنة من حربه الاقتصادية على الصين بطريقة يغلب عليها الاستفزاز أكثر من تنظيم المنافسة.
ترامب يريد تحييد الصين من معاركه وعلى رأسها الحرب الاقتصادية بالوسائل الجمركية التي أرساها، لكنه يتناسى أن للصين معارك أخرى غيرها منها ما هو خفي وما هو معلن.
لذلك كانت إحدى أهم الأولويات بالنسبة للصين هي علاقة الإدارة الأميركية بتايوان وهي العلاقة المحددة لأفق التعاون والتجاوب في كل المسائل الأخرى التي تراها بيكين أقل تعقيداً.
بالنسبة للصين فإن من يعرف طريقه إلى تايوان الصينية هو الذي بإمكانه أن يدقّ أبواب بيكين، وهو ما يبدو أن ترامب بالذات أبعد ما يكون عن ذلك وهو الرجل المعروف عنه ولعه بالضغط والتهديد وابتزاز خصومه وهي المسألة التي عنونت فشله في بناء تفاهمات جديدة ولا نظنها تفعل.
الصين ترتب أولوياتها حسب ما تراه متوفراً من إمكانيات، فإن كانت المسألة الاقتصادية متروكة للمنافسة بزيادة الإنتاج أو تخفيضه وهي مسألة تتقنها بيكين جيداً، وان كانت المسألة الاستراتيجية فإن الصين تعتدّ جيداً بعتادها العسكري وتحالفاتها القطبية المتينة، وبالتالي فإن ما ينقص ترامب هو أن ينتبه إلى أن ما ينقص الصين هو فقط إظهار التقدير في ملف تايوان وطي صفحة المجد القومي إلى الأبد ولم لا الاعتذار عن إسناده لأكثر من سبعين سنة من الولايات المتحدة الأميركية منذ عهد الرئيس هاري ترومان.
تدخل الصين في أزمة مضيق هرمز:
من الواضح أن ما فعله ترامب في فنزويلا وإيران كان سببه الرئيسي هو تجفيف المنابع الطاقية الرئيسية للصين المتأتية من نفط البلدين.
ففي حين حُسمت المسألة بمجرد الإنزال الجوي لقوات الدلتا داخل قصر ميرافلوريس في كاراكاس واعتقال مادورو من غرفة نومه أمام الأجهزة الصلبة الفنزويلية دون ردة فعل تذكر، مثلما يفعل عناصر المرتزقة والشركات الأمنية الخاصة أمام العروض المغرية، فإن المسألة في طهران لم تكن بنفس السهولة ولم تنجح كل الأساليب بما فيها تأجيج المظاهرات والاغتيالات وحتى الحرب العسكرية في السيطرة على النفط الإيراني وتوجيهه بعيداً عن الصين، بل صنعت من حيث لا تعلم إحدى أكثر الأزمات تعقيداً في التاريخ المعاصر.
اليوم يبدو أن ترامب يبحث في بيكين عن مخرج اقتصادي بغطاء سياسي من أزمة مضيق هرمز التي صنعها بنفسه ويعتبر أن الصين هي أحد أهم الفاعلين القادرين على ذلك، إلا أن الصين لا يمكنها طبعاً الوقوف على الحياد أمام هذه الأزمة لذلك دعت إلى التعجيل بفتح مضيق هرمز دون أن تطرح الآليات اللازمة لذلك مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع إيران وحصانتها البحرية الممنوحة من طهران رغم خطورة المجازفة.
ولذلك وبالرغم من التعطل الجزئي لمصالح الصين بسبب هذه الأزمة، فإنها تترك المسألة إلى توقيت تختاره وتؤجل من ورائه إحدى المعارك من معاركها المائة ولن تسمح لترامب بأن يستغلها بنفس الخطاب الذي يخاطب به العالم والذي لا يمكنه أن ينجح مع من يعرف نفسه ويعرف نفسه جيداً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...
نبض