شجر السنديان المعلم
ريمون مرهج
سأكتفي بالصمت يا شجر السنديان القابع قرب مهد روحي، ذلك البناء القديم المختبئ بين ظلالك. سأكتفي بالإطراق والهدوء الموجع ولن أتفوه بكلمة كما تفعل أنت منذ مئات السنين، تهب عليك رياح هوجاء وتهطل على فروعك وأوراقك الأمطار بغزارة، تشلّع أغصانك العواصف وتتسلل إليك الزواحف والطيور الكاسرة وتبقى صامتاً لا تصرخ ولا تلفظ بحرف، تتحمل الألام،التنكيل والإزعاج ولا تنبس ببنت شفة على مرّ الأزمان وكأنك مدرك أن الصراخ والعويل لن ينفع البتة بل الصمت والصبر والتجاهل هو الحل الأنجع في هذا العالم. نعم لقد تأخرت كثيراً لكي أحتذي حذوك فلقد فهمت الحياة وأطباع الناس قبل أن أولد أنا وأدركت العلاج الشافي لروحك. هكذا سأفعل أنا وسأقتدي بك بعدما حاولت لسنوات طويلة ولم ألق أي خاتمة مرضية. سأسير على نهجك فأتشبث بمبادئي وأغرزها بإرادة صلبة في فكري وقلبي كما تغرز عروقك في التراب والصخور، وحينما أشعر بالوجع والتعب وأوشك على الإستسلام للواقع المريض سأختلي بذاتي وأذرف الدموع سراً ثم أتنهد رافعاً رأسي نحو السماء لأرتشف من يدي ربي القوة والحنان كما تحتسي أنت العزيمة من نور الشمس ثم أتابع مسار أهدافي الطويل.
نعم سأتبع خطواتك حتى النصر كما فعلت أنت يا شجر السنديان المخضوضر الوارف الأبي وسيأتي بعد حين أناس كثر ليعترفوا بجبروتك وصلابتك ويرقدوا تحت أغصانك من القيظ والحر، يتأملون روعة قوتك وجمال كيانك ثم يطلقون على مسامعك: كم هذا الشجر عظيم ورائع ومتين في مواجهة الأيام فلم تغلبه أي عوامل على مر السنين. سأكون مثلك لا مثلهم شفافاً صبوراً قوياً صادقاً مع ذاته، صامتاً أمام الجميع ومتحدثاً بليغاً مع روحي ومع خالقي فما أصنعه اليوم لا لإرضائهم، بل لإرضاء نفسي وطموحي، وأشعر بقيمة وجودي في أرض خلقها الله، وكل إنسان فيها هو برعم من شجرته الكونية، وعليه أن يزهر ويعطي ثمراً للأجيال القادمة بصدق وأمانة وإبداع، فلا يتأثر بأي مجتمع أو أي عائق يحاول تحطيم أهدافه نحو الخير والجمال. في سكونك رهبة مقدسة وساحرة معاً، من بين ضلوعك يتغلغل النسيم العليل فيتعطر بأوراقك الخضراء وبشذى الطبيعة الفاتنة، وعلى جذعك حفر الفتية العشاق أحرفاً من أسمائهم وقلوباً بريئة تحكي قصص حب وجداني لا يُنسى ولا يموت، من جبروتك وصمودك على مر مئات السنين يتباهى الشجعان والأبطال باختيار إسمك كلقب مشرف لهم، وتحت أغصانك، في ظلالك الوارفة استوحى الأدباء والشعراء الوحي والإبداع.
شكراً لك أيها المعلم، يا أيها السنديان الصلب اللين، القوي القاسي والحنون، الخطيب المعلم للأجيال والصامت الأزلي أمام المصاعب وأصحاب الأفواه رخيصة الجهالة المغمورة بالحماقة والغرور.
نبض