فخّ ثوسيديدس بين واشنطن وبكين: هل يقف العالم أمام أخطر اختبار للنظام الدولي الجديد؟
د.علي حمود
في لحظة دولية شديدة التعقيد، حيث تتداخل المنافسة الاقتصادية مع الصراع التكنولوجي والتوترات العسكرية، عاد مصطلح عمره أكثر من ألفي عام إلى قلب النقاش السياسي العالمي. فخلال مراحل متقدمة من التوتر بين الولايات المتحدة والصين، استحضر الرئيس الصيني شي جين بينغ مفهوم "فخ ثوسيديدس"، في رسالة تحمل أبعادًا تتجاوز التاريخ إلى التحذير الاستراتيجي المباشر من احتمال الانزلاق نحو مواجهة بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم.
يعود هذا المفهوم إلى المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس، الذي شرح أسباب الحرب البيلوبونيسية بين إسبرطة وأثينا، معتبرًا أن صعود قوة جديدة وخوف القوة المهيمنة منها يجعلان الحرب شبه حتميّة. وفي العصر الحديث، أعاد أستاذ العلاقات الدولية الأميركي غراهام أليسون إحياء المصطلح عبر دراساته حول العلاقات الأميركية–الصينية، محذرًا من أن انتقال موازين القوة العالمية غالبًا ما يقود إلى صدامات كبرى إذا غابت آليات الاحتواء والتفاهم.
تكمن دلالة استخدام بكين لهذا المصطلح في توقيته السياسي والدولي. فالعالم يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي والأمني العالمي. الصين لم تعد مجرد "مصنع العالم"، بل تحولت إلى قوة تنافس الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والفضاء، والطاقة النظيفة، والتجارة العالمية. وفي المقابل، تنظر واشنطن إلى هذا الصعود باعتباره التحدي الأكبر للهيمنة الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة.
هذا التنافس لا يقتصر على الرسوم الجمركية أو القيود التجارية، بل يمتد إلى إعادة رسم سلاسل الإمداد العالمية، وفرض قيود على التكنولوجيا المتقدمة، والصراع على النفوذ في بحر الصين الجنوبي وتايوان والمحيطين الهندي والهادئ. ومع أن الاقتصادين الأميركي والصيني يشكلان معًا نحو 40% من الاقتصاد العالمي، فإن الترابط الاقتصادي لم يعد كافيًا لمنع التصعيد السياسي والعسكري مثلما كان يُعتقد سابقًا.
ومن هنا، فإن استحضار "فخ ثوسيديدس" خلال استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يكن مجرد استشهاد فكري، بل رسالة سياسية مزدوجة. فمن جهة، أرادت الصين القول إنها تدرك مخاطر التحول التاريخي الجاري في ميزان القوى العالمي. ومن جهة أخرى، حاولت تحميل الولايات المتحدة مسؤولية تجنب الانزلاق إلى منطق "الاحتواء والصدام" الذي حكم صراعات القوى الكبرى عبر التاريخ.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يستطيع الطرفان تجاوز هذا الفخ؟
الواقع يشير إلى أن العلاقة بين واشنطن وبكين دخلت مرحلة "التنافس المنظم" بدل المواجهة المباشرة. فكلّ طرف يدرك أن أيّ صدام عسكري واسع ستكون كلفته كارثية على الاقتصاد العالمي وأسواق المال والطاقة والتكنولوجيا، كما أن امتلاك الطرفين ترسانتين نوويتين ضخمتين يجعل الحرب الشاملة خيارًا بالغ الخطورة.
في المقابل، لا يعني ذلك غياب احتمالات التصعيد. فالنزاعات حول تايوان، والحروب التجارية، والعقوبات التكنولوجية، والسباق العسكري في آسيا، كلها عوامل قد تنتج أزمات غير محسوبة، خصوصًا في ظل تصاعد النزعات القومية داخل البلدين.
مع ذلك، تبدو بكين حريصة على تقديم نفسها كقوة صاعدة تريد تعديل النظام الدولي لا تدميره بالكامل، بينما تسعى واشنطن إلى منع فقدان تفوّقها الاستراتيجي من دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة. وهنا تكمن معادلة القرن الحادي والعشرين: هل يمكن للقوتين الأكبر عالميًا بناء نموذج جديد لإدارة المنافسة بعيدًا عن الحروب التقليدية؟
العالم اليوم يقف فعلًا عند مفترق طرق تاريخية، فإما أن يتحول "فخ ثوسيديدس" إلى نبوءة سياسية تقود إلى انقسام عالمي خطير، وإما أن تنجح الولايات المتحدة والصين في ابتكار قواعد جديدة للتعايش بين القوى الكبرى، تحفظ التوازن الدولي وتمنع تكرار كوارث التاريخ.
نبض