الفدراليُّون و"الخوف"
الحِراكات الفدراليَّة لا تنبع من "كُفرٍ بالبلد" أو "استقالة من العيش المشترك"، فالفدراليُّون اللبنانيّون ينشدون حلاً عصرياً يقوم في كُنهه على احترامٍ عميق لحقوق الإنسان اللبنانيّ ضمن إطار غِنى التعدّديّة الثقافيَّة-الحضاريّة.
إيلي بو حرب*
تتزاحم طروحات الحلول الاتحاديَّة (الفدراليَّة) من جهاتٍ لبنانيَّة عدَّة، إذ يحدوها أملٌ واحد، وهو إيجاد حلٍّ سياسيٍّ عصريٍّ وحضاريّ يعالجُ مسألة النظام السياسيّ المركزيّ - الذي لطالما تصارع اللبنانيُّون طوال الثمانين عامًا الماضية، إن لم نقُل أكثر - حلٍّ لمرة واحدة وأخيرة. والسبب الرئيس الذي نعرفه جميعنا، هو تعدُّد رؤى اللبنانيّين وفلسفاتهم السياسيَّة الناظرة إلى الكيان، والنابعة أصلًا من تعدُّديَّتهم الثقافيّة-الحضاريّة، والأهداف المرجوَّ تحقيقها، وهي متناحرةٌ حدَّ التطاحن.
الأمر الذي أدّى، ويؤدّي باستمرار، إلى انقساماتٍ جوهريَّة حول شتى المسائل الوجوديَّة، وصلتْ في كثيرٍ من الأحيان إلى التقاتل الدمويّ والحرَد السياسيّ، على ما شهدنا عبر العقود الماضية.
والحال أن هذه الحِراكات الفدراليَّة لا تنبع من "كُفرٍ بالبلد" أو "استقالة من العيش المشترك"، كما يطيبُ لمناوئي الفدراليّين أن يسوّقوا جزافاً وتكرارًا مثل هذه الاتهامات الظالمة بحقهم، دونما أيّ أدلةٍ أو إثباتات مقنِعة. على العكس من ذلك تماماً، فالفدراليُّون اللبنانيّون، على تعدُّد أطيافهم وتنوُّع مشاربهم الفكريَّة ومشاريعهم، من خلال تشخيصهم مكامن داء النظام السياسيّ في لبنان - تشخيصٌ يستند إلى دراساتٍ علميَّة، وإحصاءات، وفَقهٍ عميق لواقع المجتمعات اللبنانيَّة وديناميكيّاتها الشديدة التعقيد والفرادة - إنما ينشدون حلاً عصرياً يقوم في كُنهه على احترامٍ عميق لحقوق الإنسان اللبنانيّ، كلّ إنسان، ضمن إطار غِنى التعدّديّة الثقافيَّة-الحضاريّة التي تقوم عليها الفسيفساء اللبنانيّة، وذلك صوناً لها ودفاعاً عنها.
في حقيقة الأمر، أعتقدُ، لا بل أجزم أنَّ ثمة نوعين من "الخوف" قد ساهما في شحذ همَّتنا، نحن الفدراليّين:
الأول: خوفٌ غير خَفيّ من رفضٍ وعنادٍ ممنهجَين، غير مبرَّرين ، ويفتقدان الواقعيَّة العقلانيَّة في أدنى مقوِّماتها، في وجوب التفكُّر في كافة التجارب والصراعات الماضية واستقرائها ، على مرارتها، مع كل ما تسبَّبت به من ويلاتٍ ومآسٍ وحروب لا حاجة لأحد منا بالتذكير بها، بل الاتعاظ منها بشجاعة وانفتاح وروح مبادَرة. تكمن الخطورة في الأمر في أنّ هذا الرفض تحرِّكُه عقلياتٌ من مخلّفات مريدي "مدارس" إيديولوجيَّات الإلغاء القهريَّة والاختزال الصَهريَّة، البائدة حُكمًا، بحسب منطق التاريخ.
الثاني: خوفٌ أعمق على المستقبل. إنَّ الفشلَ المتأتّي عن عدم أخذِ العبر من الماضي ما هو سوى دعوة لترجيعه، وإبقاءٌ للبنان، كنتيجة حتميَّة، ساحةً مفتوحة على شتى أنواع الصراعات، لينفخَ فيها كلُّ حاقدٍ أو واهم من أصحاب الأطماع المعتلَّة، وقضاءٌ على إمكانات التطوُّر الواعدة، وهدرٌ لمقدّرات اللبنانيّين وطاقاتهم الكامنة ومبادراتهم الإبداعيَّة، وتضييعٌ فرص الحياة الكريمة. ناهيك عن كونها، وهنا الخطورة الكبرى، إطالة لمفاعيل الدَّاء ليفتكَ بعدُ في جسدٍ لم يعد يقوى على الاحتمال، وآيل، حتماً، للسقوط والانهيار.
هذا النوع الثاني من "الخوف" هو في حقيقة الأمر حرصٌ وغيرة على صيرورتنا الجامعة والجماعيّة. فنحن كفدراليّين نسعى لإعادة تشكيل هذه الصيرورة بما تختزله من توثُّبٍ نحو المستقبل، وتحفيزٍ للهِمَم، وتجديد لعَقدِنا الاجتماعيّ، ضمن فلسفةٍ تقوم على صفاء النوايا والتعاون البنَّاء رعايةً لمصالحنا المشتركة. فنحن ما زلنا نثقُ، حتى الآن، بقدرة اللبنانيين على صوغ حلولٍ فاعلة، هُم مهندسوها، لا تكون منزَلة أو مفروضة عليهم من خارجٍ ما بحسب ما تقتضيه مصالح هذا الخارج، مهما بَعُدَ أو دنا. كما تنبعُ من قناعتنا بضرورة إقامة لبنان جديد عصريّ، واحد، متّحد، لا أحاديّ، ضمن حدوده الكاملة المعترف بها دولياً، ومن دون أيّ تنازلٍ أو تفريط بأيٍِّ من ثرواته الطبيعيَّة أو موارده.
إنَّ المسؤولية الأخلاقيَّة والوطنيَّة عند ذوي الإرادات الخيَّرة تحتّمُ علينا أن نسعى، جميعُنا، لتوظيف تعدّديتنا واستثمارِها، فتعودَ قوةَ دفعٍ في إقامة بنيانٍ سياسيّ يلبّي طموحات اللبنانيَّات واللبنانيّين في بناء مجتمعٍ آمنٍ، زاهر، يسوده حكمُ الدستور والقوانين، في الممارسة لا الإنشاء، وتسوْسه مبادئُ العدل والكرامة الإنسانيَّة والحقّ في السلام، وتخلقُ فرص عمل تثبّت شبابَنا في أرضه، فلا تعود الهجرة قدَرًا محتومًا على عائلاتنا، وخسارةً لا تعوَّض لاقتصادنا، ونزفًا لمواردنا البشريَّة لا ينتهي.
فمع التغييرات الجذريَّة التي يشهدها العالم كافةً، وبالأخص تلك التي تطالُ منطقة الشرق الأوسط، تتبدّى أمام لبنان فرصةٌ تاريخيَّة للّحاق بركْب البلدان الحضاريَّة المتطوّرة. أفلا يحقُّ لنا أن نحجزَ مكانًا لنا بينها في عالمٍ تعيد رسمَ "حدوده" تحديّاتُ التطوّر الرقميّ وثوراتُ "الذكاءات" الاصطناعيَّة؟ فنحن، كبلدٍ صغير، بأمسّ الحاجة للحفاظ على طاقاتنا البشريَّة - وكلُّنا مقتنعٌ بأنها أثمن ما نملك - لنواكبَ ونشارك في هذه الثورات الهائلة والعميقة التي تطال كلَّ أطياف الكيانيّة الإنسانيَّة، وتعيدُ تشكيل مبادئها المعرفيَّة، والعلميَّة، والاقتصاديَّة-الإنتاجيَّة، والإبداعيَّة، وحتى الفلسفيَّة، والروحيَّة منها.
الجواب يملكه اللبنانيُّون ذوو النوايا الحسنة والعقول المستنيرة. فـ"لنتحِّد" ونوحِّد طاقاتنا فنعيد للبنانَ ألقَه ورفعةَ اسمه بين الأمم، وأصالةَ رسالته، رسالة حريَّةِ الإنسان وكرامتِه وحقِّه المشروع في السعادة، حيث لا فئةٌ تختزلُ أخرى أو تقهرُها أو تطغى عليها، إنْ بمنطق القوَّة الغاشمة، أو عبر مشاريع غلَبة العدد الممعِنة في طائفيَّتها ومذهبيَّتها، أو الاستقواء بخارجٍ ما مع ما يستتبعه من ارتهانٍ له. فهلَّا نكون أبناء الغد؟ أم تُرانا سوف نبقي القديمَ البالي على عتاقته، فنكرّرَ مأساة سيزيف إلى ما لا نهاية؟
*خبير لبناني في التواصل الاستراتيجي، عضو في تجمُّع " اتحاديون"
نبض