العدالة بعين واحدة
أحمد شهاب - الكويت
لكل إنسان ضميران، ضمير يشتعل غضباً حين يكون الفاسد غريباً، وآخر يخفت صوته ويلين حين يكون الفاسد قريباً يشاركه المائدة والذكريات. هذه الازدواجية ليست استثناءً في الطبيعة الإنسانية، بل هي قاعدتها الخفية.
نحن نلعن فرعون وأبا لهب وزوجته حمّالة الحطب بكل حماسة وتفاعل لأنهم شخصيات تاريخية بعيدة عنا ولا تربطنا بهم قرابة، ولا نخشى خسارتهم، لكن الدرس الحقيقي لا يُختبر هناك، وانما حين يكون المخطئ جالساً بيننا يشاركنا جلسات القهوة وموائد العشاء.
وهنا يطل علينا سؤال قديم مفاده هل الفعل القبيح قبيح لأن فاعله غريب عنا، أم هو قبيح في ذاته؟ لقد أدرك الفلاسفة وعلى رأسهم إيمانويل كانط هذه المعضلة، حين قال إن الفعل لا يستعير جماله ولا قبحه من هوية صاحبه، وانما من طبيعته المجردة. فالسرقة على سبيل المثال إما أن تكون جريمة وإما أن تكون مباحة، أما الضمير الذي يكيف الاتهام بحسب المسافة مثل من يدين السارق إذا كان غريباً ويبرر للسارق إذا كان قريباً، فهو ضمير فاسد.
في القرآن الكريم هناك تعبير لافت وهو النفس اللوامة التي تقرع صاحبها حتى لا يحيد عن قول كلمة الحق، لكن عند غالب الناس هذه النفس تغتالها النفس الأمارة بالسوء حين تعيد تعريف الخطأ إذا صدر من الأقرباء والأصدقاء، وتحول الفساد إلى سوء تفاهم، والظلم الى اجتهادٍ خاطئ، وكل ذلك في حقيقته مبررات ليحمي الإنسان ضميره من تعب الوضوح.
على المستوى الاجتماعي تترسخ منظومة غير مكتوبة لكنها شديدة الفاعلية، تجعل الحكم على الفعل مرهوناً بعنوان الفاعل لا بطبيعة الفعل، لاحظ مثلاً أن الفاسد الضعيف يُدان بسرعة البرق، أما الفاسد المرتبط بشبكةٍ من العلاقات الاجتماعية فيجد حوله أسواراً من الصمت والتبرير.
وما يثير الدهشة أن كثيراً من صور الفساد لا تُرتكب بعنف، بل بهدوء واطمئنان، لأن مفهوم اللص لدينا هو الملثم في الافلام والذي يتسلق الجدار في منتصف الليل، أما اللص الذي يأكل ميراث إخوانه، أو يظلم أقربائه أو ينفث أحقاده، فإنه يُكرّم في المجالس، وقد تصل الجرأة بالبعض إلى اتهام الضحية بأنها شقّت صف الأسرة أو بالغت في الحساسية، وكأن الجريمة ليست في أكل الحقوق، وانما في الإفصاح عن الألم.
ما يجري هنا ليس تناقضاً، إنما هو منطق المصالح حين تلبس ثوب الأخلاق، فنحن نسامح القريب حتى لا تهتزّ الصورة التي بنيناها عن أنفسنا وعن جماعتنا، وحتى لا نخسر رضا الجماعة، وهو ما يجعل الصمت عن الانحرافات أحد أكثر أشكال الفساد رسوخاً في مجتمعاتنا.
في هذه المسرحية لا أحد يجهل دوره، لكن قلّة فقط من تجرؤ على تمزيق النص وقول كلمة الحق، وما لم نواجه أنفسنا بوضوح، فسنظل ندين فرعون وأبا لهب وزوجته حمّالة الحطب بينما نصنع نسخاً مخففة منهم كل يوم، متغافلين عن قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}.
نبض