زيارة ترامب إلى بكين واعتراف واشنطن بالتعددية القطبية المستجدة

منبر 18-05-2026 | 10:51

زيارة ترامب إلى بكين واعتراف واشنطن بالتعددية القطبية المستجدة

تكتسب الزيارات الرئاسية الاميركية الى الصين اهميتها الحقيقية من السياق البنيوي الذي يستدعيها
زيارة ترامب إلى بكين واعتراف واشنطن بالتعددية القطبية المستجدة
ترامب وجينبينغ في بكين، 14 مايو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

أكرم بزي

 

 

تكتسب الزيارات الرئاسية الاميركية الى الصين اهميتها الحقيقية من السياق البنيوي الذي يستدعيها، إذ لطالما شكلت منذ خطوة ريتشارد نيكسون التاريخية، من 21 الى 28 فبراير/شباط عام 1972، مؤشراً عميقاً على تحولاتٍ هيكلية في النظام الدولي ومراجعة واشنطن موقعها فيه. فالزيارة في ذاتها لا تصنع التحول وإنما تعبر عن حدوثه أو تحاول إدارته متأخراً، وتكمن المفارقة في أن هذه اللقاءات ترتبط دائماً بتغير موازين القوى العالمي وتآكل التفوق الاميركي أو ظهور خطرٍ استراتيجي يتطلب تفاهماً مباشراً على أعلى المستويات.
وقد جاءت زيارة نيكسون عام 1972، وفقاً  للأرشيف الوطني الاميركي، في ذروة القطبية الثنائية والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي، عندما رغبت بكين في الخروج من عزلتها بينما واجهت واشنطن تراجعاً في ردعها أمام موسكو، فلم يكن الانفتاح ليبرالياً بل خطوة استراتيجية لنقل الصين من خانة العدو الى خانة الموازِن الاستراتيجي، ما أعاد هندسة الصراع العالمي وبدل خطوط التماس الدولية.
اما زيارة بيل كلينتون، من 25 يونيو/حزيران الى 3 يوليو/تموز 1998، فجاءت في زمن الاحادية القطبية وتحول الصين الى مصنع العالم بفعل العولمة، ونبعت من تصورٍ أميركي وثّقته السجلات الرئاسية للبيت الابيض بأن الاندماج الاقتصادي سيقود الى تحولٍ سياسي صيني يتماشى مع المنظومة الغربية. ورغم أن الزيارة رسخت دمج بكين في النظام الاقتصادي العالمي ومنظمة التجارة العالمية لاحقاً عام 2001، إلا أن هذا الدمج أسّس لصعود منافسٍ استراتيجي طويل الأمد.
وفي سبتمبر/أيلول 2016، مثلت زيارة باراك أوباما، على هامش قمة مجموعة العشرين، نهاية وهم الشريك الصيني مع بروز القوة البحرية والتكنولوجية لبكين، حيث أظهرت وثائق الخارجية الاميركية أن الزيارة كانت المحاولة الاخيرة لضبط الانتقال من التعاون الى إدارة التنافس قبل صدامٍ أكثر صراحة.
وتحمل فترات الانقطاع بين الزيارات دلالات لا تقلّ أهمية، فالانقطاع الاول بين عامي 1972 و1975 عكس محاولة استيعاب عالم جديد لم تتضح معالمه ولم تحسم فيه واشنطن طبيعة الدور الصيني، بينما جاء الانقطاع الثاني، الذي امتد تسع سنوات منذ آخر زيارة لترامب في ولايته الاولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 حتى مايو/أيار عام 2026، أكثر خطورة، وتخللته إجراءات استفزازية ضد بكين التي تحولت الى قوة عسكرية وتكنولوجية ومالية كبرى، في وقت فقدت فيه الولايات المتحدة القدرة على الاحتواء أو القطيعة. ورغم لقاءات جو بايدن نظيره شي جينبينغ خارج الصين، فان هذا الانقطاع جسّد انهيار الصيغة القديمة للعلاقة من دون تبلور بديل منها.
وتأتي زيارة دونالد ترامب، التي امتدت من 13 الى 15 مايو/أيار الجاري، في مرحلة ترسخ ميزان القوة العالمي الجديد. ويتقاطع توقيتها مع إخفاق ادارته في تحقيق الاهداف القصوى في ملفاتٍ إقليمية كبرى كحرب إيران، وتراجع القدرة الاميركية على فرض القواعد منفردة. وأشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في تحليله الصادر في 8 من الجاري الى أن الادارة الاميركية ذهبت الى بكين طلباً لدعمها في ملفاتٍ حسّاسة، أبرزها الضغط لاعادة فتح مضيق هرمز وضمان أمن الطاقة، مما يثبت عملياً تحول الصين الى شريكٍ نظامي لا يمكن تجاوزه في إدارة الازمات الدولية. وهو ما أكده معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى في تحليله الصادر في 13 من الجاري أن ترامب وجد نفسه في موقع غير حسد يطلب فيه مساعدة شي جينبينغ لما تملكه بكين من نفوذ إقتصادي ونفطي هائل على طهران، ما جعل الصين تستغل تداعيات حرب إيران لانتزاع تنازلاتٍ متبادلة مع واشنطن وحماية مصالحها.
وتعكس قراءات المفكرين والمؤسسات الغربية أبعاداً أعمق لنتائج هذه الزيارة، إذ اعتبر الباحث جوناثان تسين في تحليلٍ نشره معهد بروكينغز في الرابع من هذا الشهر أن بكين تتعامل اليوم من موقع قوة وثقة أكبر، لعلمها برغبة ترامب في تقديم نفسه صانع صفقات بارعاً أمام ناخبيه قبل انتخابات التجديد النصفي. ولذلك لم تقدم تنازلات مجانية، وفي السياق نفسه، وصفت التحليلات الغربية التي نشرتها صحيفة "الغارديان" في 15 الجاري اللقاء بأنه قمة تجميد الصراع الموقت، إذ اعتبر خبراء أن الحفاوة الاستثنائية التي استقبلت بها بكين الوفد الاميركي، الذي ضم أقطاب التكنولوجيا مثل إيلون ماسك وجينسين هوانغ وتيم كوك، كانت بمثابة استعراض قوة ناعم لتأكيد أن النظام الدولي الأحادي القطب قد انتهى بنيوياً، وتكاملت هذه الرؤية مع تقييم الباحثة هايدي كريبوريديكير الصادر عن مجلس العلاقات الخارجية (CFR) في 15 من الجاري، بحيث رأت أن أفضل مخرجات القمة كان تمديداً ضمنياً للهدنة الحالية عبر تعهدات شراء في قطاعات الزراعة والفضاء، معتبرة أن هذا الاستقرار الهش يخدم الطرفين، فهو يمنح الصين وقتاً لتوطيد استقلاليتها التكنولوجية والامنية، ويعطي واشنطن نافذة ضيقة لبناء مرونة في قاعدتها الصناعية.
وفي قراءة أكثر نقدية، أشارت الباحثة ميلاني هارت في تحليل نشره مجلس اطلانتس (Atlantic Council) في 15 الجاري الى أن القمة أظهرت أداء أميركياً دون المتوقع، إذ حمل وفد رجال الاعمال المرافق لترامب مؤشراتٍ على رغبة واشنطن المتسارعة في إبرام صفقاتٍ غير ناضجة كليا، مما جعل المسؤولين الصينيين يمارسون لغةً تفاوضية متشددة، ليخرج ترامب من بكين من دون اتفاقات كبرى معلنة وبدرسٍ يفيد بأن الاسلوب الفردي المباشر لم يعد كافياً لادارة العلاقة مع شي جينبينغ. وعليه، فإن زيارة ترامب تعبّر في جوهرها عن محاولة لضبط الفوضى ومنع الصدام المباشر، ما يمثل اعترافاً أميركياً صريحاً بأن النظام الذي قادته واشنطن لعقود لم يعد قابلاً للادارة بالأدوات السابقة نفسها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان 5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...