أكذوبة الرحمة وبضاعة المقايضة: العفو العام في دكاكين الطوائف
المحامي رفيق اورى وليد غريزي
عن العباقرة آل تقي الدين، أكاد أسمع من تحت سنديانة بعقلين صوت أبي يهمس في عتمة هذا الليل اللبناني الطويل: "اغسلوا أيديكم جيداً قبل أن تناموا في فراش العدالة، فإن التاريخ يشم رائحة الكفوف، ولا يقبل بين صفحاته يداً لوّثتها الصفقات".
لكن وا أسفاه على زمنٍ باتت فيه "الرحمة" تُباع وتُشترى في أسواق المزايدات السياسية، وغدا فيه "العفو" بضاعة كاسدة على رصيف المحاصصة الطائفية المقيتة. يخرجون علينا اليوم في صالوناتهم السياسية وكواليس قصورهم، يتبادلون الابتسامات والوعود لإقرار "قانون عفو عام" جديد. يتحدثون بلسان الإنسانية والقلوب تقطر زيفاً، في مشهد لا يعكس كرم دولة سيادية رحومة، بل يعكس خنوعاً تاماً لابتزاز الشارع، وإذعاناً لمنطق "اعفُ عن مرتكبي طائفتي، لكي أعفو عن جناة طائفتك".
بين فخامة السيادة وهوان المتاجرة
دعونا نعيد قراءة كتاب القانون قبل أن تمزقه رياح المصالح الوجاهية. إن العفو العام في أصله الفلسفي والقانوني والشرعي هو تدبير موضوعي وعيني بامتياز، يمحو الجريمة ويسقط الصبغة الجرمية عن الفعل المقترف بنص تشريعي صريح يصدر عن مجلس النواب؛ إجراء تملكه الدولة من تلقاء نفسها كأداة عليا للتسامح عند المنعطفات الكبرى. أما العفو الخاص، فهو مكرمة شخصية، تخفيض للعقوبة أو إسقاط لها بمرسوم.
لقد جعل المشرّع اللبناني الأصل في الأمور هو المحاسبة الجنائية الصارمة، وجعل العفو استثناءً ضيقاً لا يجوز التوسع في تفسيره. لكن الطبقة السياسية في بلادنا عكست الآية، فجعلت الجريمة هي الأصل، والمحاسبة هي الاستثناء الاستنسابي الخاضع لتقلبات البورصة الطائفية!
سجل التنازلات: تاريخ حافل بالصفقات
حين نلتفت إلى الوراء، نجد التاريخ اللبناني ينضح بقوانين عفو لم تكن يوماً تهدف لبناء دولة الحق، بل لتسوية عورات النظام:
عفو 1949: الذي وُلد ولادة مشوهة لتصفية أولى الحسابات السياسية بعد الاستقلال.
عفو 1958: الذي رُفع فيه شعار "لا غالب ولا مغلوب"، فكان بمثابة رشوة سياسية لتغطية انهيار أمن الدولة الداخلي آنذاك.
عفو 1969: الذي طمس تداعيات اضطرابات الشارع وشرعنة الفوضى العارمة.
عفو 1991 المدوّي: الخطيئة الكبرى التي تلت اتفاق الطائف، والتي شرّعت "عفا الله عما مضى" لأمراء الحرب والميليشيات، فجهّلت القاتل، وغيّبت المفقودين قسراً، ونصّبت الجناة قادة على كراسي الحكم دون مساءلة أو حقيقة.

عفو 2005 الجزئي: الذي جاء كصفقة تحت الطاولة مهدت لمقايضات سياسية جديدة بعد زلزال اغتيال الحريري وخروج الجيش السوري.
واليوم، نراهم في أروقة برلمان 2026 يتنافسون في صياغة عفو هجين. يطالب هذا المعسكر بالعفو عن المتهمين بالإرهاب، ويرد الآخر بالمطالبة بالعفو عن كبار تجار المخدرات، ويشترط الثالث العفو عن العملاء، في مقايضة رخيصة تحوّل السجون إلى مراكز للاستثمار الطائفي!
العدالة المتأخرة هي الظلم بعينه
يتذرعون باكتظاظ السجون وبؤس الغرف المظلمة؛ نعم، السجون تغص بالمظلومين والمرتكبين معاً. لكن الحل لا يكون بفتح الأبواب تعسفياً ليعود المجرم إلى ساحة الجريمة، بل بإصلاح هذا القضاء المعتكف، وتفعيل المحاكمات العادلة والسريعة. إن علة العلل ليست في العقوبة، بل في بطء إجراءات التوقيف الاحتياطي التعسفي المتمادي الذي يذبح كرامة الإنسان قبل صدور حكمه.
موقفي المبدئي والنهائي الذي لا يهتز: أنا ضد العفو المطلق وضد المقايضات الرخيصة. أنا مع المحاسبة الصارمة والمحاكمات السريعة الشفافة. العفو تحت الإكراه والابتزاز هو طعنة مسمومة في صدر العدالة، وتشجيع وقح على الجريمة؛ إذ كيف يرتدع مجرم وهو يعلم أن وراءه زعيماً طائفياً سيخرجه غداً بقانون عفو جديد؟
أيها السادة المشرعون، ارفعوا أيديكم عن ميزان العدالة، واعلموا أن الدولة التي تشتري سلمها الأهلي بالتنازل عن دماء ضحاياها وعن هيبة قوانينها، هي دولة لا تستحق الحياة. حافظوا على نظافة أيديكم، فالعدالة لا تساوم، والتاريخ يسجل صفحاتكم السوداء.
نبض