اتفاق الطائف: وثيقة الدولة التي لم تولد بعد
الدكتور نزار يونس
ليس ميثاق الطائف ذكرى عابرة في روزنامة الحرب اللبنانية، ولا محطة من محطات التسويات التي تُستعاد في المناسبات ثم تُطوى في أدراج النسيان. الطائف، في حقيقته العميقة، هو الوثيقة المرجعية الأخيرة التي توافقت عليها الجماعات اللبنانية للعيش معًا في دولة واحدة، وهو الركن الذي استندت إليه شرعية النظام الدستوري اللبناني بعد الحرب، كما استند إليه الاعتراف العربي والدولي بلبنان دولةً قابلة للبقاء، لا ساحةً مفتوحة للتقاتل والانفكاك.

ومع ذلك، ظل الطائف مجهولًا. مجهولًا لا لأنه غامض في نصوصه، ولا لأنه يحتاج إلى عباقرة لتفسير مقاصده، بل لأنه أُريد له أن يبقى مجهولًا. جرى تجهيله عمدًا، وتشويهه قصدًا، وتفريغه من روحه تحت ستار تطبيقه. تحوّل في الخطاب السياسي اللبناني إلى شماعة تُعلّق عليها الأزمات، بينما الأزمة الحقيقية ليست في الطائف، بل في الانقلاب عليه. صار كثيرون يتحدثون عن “فشل الطائف”، كأن الميثاق أُعطي فرصته الكاملة وفشل، في حين أن الحقيقة أكثر قسوة ووضوحًا: الطائف لم يُطبّق في جوهره، بل طُبّقت منه أجزاء، وعُطّلت منه الغاية.
لقد جاء ميثاق الوفاق الوطني في لحظة كان فيها لبنان على شفير الاندثار. كان الوطن ممزقًا بين خطوط تماس وميليشيات وجيوش ووصايات واحتلالات. لم تكن الدولة غائبة وحسب، بل كانت فكرتها نفسها مهددة.
وكان الخطر الأشد أن يتحول لبنان من وطن نهائي لجميع أبنائه إلى فسيفساء متحاربة، أو إلى كيانات خائفة، أو إلى ساحة مستباحة لحسابات الخارج. في تلك اللحظة، لم يكن المطلوب وقف النار فقط، بل كان المطلوب ما هو أبعد: إعادة تأسيس معنى الوطن، وإعادة تعريف شروط العيش المشترك، ورسم الطريق إلى دولة قادرة على احتضان تعدد اللبنانيين بدل أن تكون رهينة له.
من هنا جاءت أهمية الطائف. فهو لم يكن مجرد اتفاق لإنهاء الحرب، بل كان تسوية تاريخية حول طبيعة لبنان ودولته ونظامه. وقد كرّس حقائق أساسية: لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه؛ لبنان عربي الهوية والانتماء؛ لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية؛ لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك؛ وإلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي. هذه ليست عبارات إنشائية، بل قواعد تأسيسية لشرعية الدولة. إنها الحدود التي لا يجوز لأي سلطة أن تتجاوزها، لأنها ليست ملكًا لفريق ولا لعهد ولا لأكثرية عابرة، بل هي شروط العقد الوطني ذاته.
غير أن أعظم ما في الطائف، وأكثر ما جرى طمسه، أنه لم يؤسس لنظام محاصصة جديد، بل وضع خريطة طريق للخروج من نظام المحاصصة. وهذه هي المفارقة الكبرى في الحياة السياسية اللبنانية بعد الحرب: لقد جرى تقديم الطائف، في الممارسة، كأنه دستور للمغانم الطائفية، بينما هو في نصه وروحه وثيقة لإنهاء الطائفية السياسية. جرى تحويل المرحلة الانتقالية إلى إقامة دائمة، وتحولت المناصفة من معبر إلى دولة المواطنة إلى ذريعة لتقاسم الدولة، وتحولت الميثاقية من ضمانة للعيش المشترك إلى سلاح تعطيل وابتزاز متبادل.
في الطائف، لم يتنازل المسيحيون للمسلمين، ولم يتنازل المسلمون للمسيحيين. المعنى الأعمق للميثاق أن الجناحين تنازلا معًا للدولة. تنازلا عن أوهام الغلبة، وعن هواجس الخوف، وعن حق كل جماعة في امتلاك جزء من الحيز العام باسم الطائفة، لكي تولد دولة المواطنين. لذلك فإن اختزال الطائف في توزيع الرئاسات والصلاحيات والمقاعد هو خيانة فكرية وسياسية للميثاق. الطائف لم يقل إن لبنان يجب أن يبقى محكومًا بتوازنات الطوائف إلى الأبد؛ قال إن الانتقال إلى دولة لاطائفية يحتاج إلى ضمانات، وإلى حوار، وإلى خطة مرحلية، وإلى هيئة وطنية، وإلى شجاعة سياسية وأخلاقية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية المادة 95 من الدستور. فهذه المادة ليست تفصيلًا تقنيًا، ولا بندًا مؤجلًا يمكن تجاهله. إنها قلب الطائف النابض. لقد نصت على أن مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين يتخذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وعلى تشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم رئيسي مجلس النواب والوزراء وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، تكون مهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. هذا هو المسار الذي لم يبدأ. وهذا هو الباب الذي أُغلق عمدًا. وهذا هو الدليل الأوضح على أن لبنان لم يدخل بعد في دولة الطائف، بل بقي عالقًا في ما قبلها، أو في انقلاب مشوّه عليها.
إن الذين يقولون إن الطائف طبّق يتوقفون عند النصوص الشكلية: تعديل الصلاحيات، المناصفة في مجلس النواب، إعادة توزيع بعض المواقع. أما الذين يقرأون الطائف في عمقه فيدركون أن هذه الإجراءات لم تكن الغاية، بل أدوات انتقالية. المناصفة لم تكن غنيمة طائفية، بل ضمانة مؤقتة تمنع الخوف والغلبة ريثما يتوافق اللبنانيون على نظام وطني خارج القيد الطائفي. ولم تكن الميثاقية رخصة لتعطيل الدولة، بل قاعدة لإنتاج سلطة لا تلغي أحدًا ولا تسمح لأحد بأن يحتكر القرار الوطني. ولم يكن نقل بعض الصلاحيات من موقع إلى آخر دعوة إلى تعدد الرؤوس، بل محاولة لتصحيح الخلل داخل جمهورية برلمانية ديمقراطية يكون فيها القرار للدولة، لا للزعامات ولا للميليشيات ولا للخارج.
لقد جرى استبدال دولة الطائف بما يمكن تسميته “لا دولة ما بعد الطائف”. أي دولة شكلية، لها مؤسسات وأسماء ومراسيم، ولكنها عاجزة عن احتكار السيادة والقرار والسلاح والمال العام. وفي ظل هذا الانحراف، تمددت المحاصصة من السياسة إلى الإدارة، ومن الإدارة إلى القضاء، ومن القضاء إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى الضمير الوطني. بات المواطن يبحث عن حقه عبر الزعيم، وعن وظيفته عبر الطائفة، وعن أمنه عبر الجماعة، وعن كرامته خارج الدولة. وهذه ليست دولة الطائف. هذه هي الدولة التي جاء الطائف لإنهائها.
لذلك فإن القول إن الطائف سقط بمرور الزمن هو مغالطة خطيرة. الميثاق لا يسقط لأنه لم يُطبّق. بل إن عدم تطبيقه هو سبب إضافي للعودة إليه. فالزمن لا يلغي العقود التأسيسية ما لم تستبدلها الشعوب بعقود أرقى وأوضح وأكثر إجماعًا. واللبنانيون، منذ الطائف، لم ينتجوا ميثاقًا بديلًا، ولم يتوافقوا على صيغة أخرى، ولم يقدّم دعاة المؤتمرات التأسيسية سوى دعوات ملتبسة إلى المجهول. وما دام البديل غير موجود، وما دام الانقسام قائمًا، وما دامت الدولة مهددة، يبقى الطائف المرجعية الوحيدة القادرة على جمع الشرعية الدستورية بالاعتراف العربي والدولي وبفكرة العيش المشترك.

إن الطائف ليس نصًا مقدسًا بالمعنى الجامد، ولكنه عقد ملزم في جوهره. لا يجوز الانتقاص من ثوابته ولا تجزئة روحه ولا استخدام بعض بنوده لإلغاء بعضها الآخر. يمكن تطوير الآليات، ويمكن تحسين القوانين، ويمكن تحديث المؤسسات، لكن لا يجوز الانقلاب على الغاية: قيام دولة واحدة، سيدة، ديمقراطية، مدنية، قادرة على تحرير المواطن من وساطة الطائفة، وقادرة على حماية الجماعات من وهم الغلبة والعدد. فالطائف لا يطلب من اللبنانيين أن يذوبوا في أكثرية صماء، ولا أن يعيشوا أسرى أقليات خائفة؛ إنه يطلب منهم أن يتحولوا من رعايا في جماعات إلى مواطنين في دولة، مع ضمان التوازن الوطني الذي يحفظ الطمأنينة والحرية والشراكة.
ومن هنا، فإن استعادة الطائف ليست عودة إلى الماضي، بل عبور إلى المستقبل. ليست استذكارًا حزينًا لوثيقة وُقّعت قبل عقود، بل استئناف لمشروع دولة لم تولد بعد. الطائف هو الاسم الدستوري للبنان الممكن: لبنان الذي لا يكون فيه السلاح إلا في يد الدولة؛ لبنان الذي لا يكون فيه القرار الوطني مرهونًا لمحور؛ لبنان الذي لا تكون فيه الطوائف شركات مساهمة في السلطة؛ لبنان الذي لا تُدار فيه المؤسسات بمنطق الغنيمة؛ لبنان الذي لا يكون فيه المواطن مسيحيًا أو مسلمًا أمام الإدارة والقضاء والجامعة والوظيفة، بل إنسانًا حرًا متساويًا في الحقوق والواجبات.
لقد آن الأوان لأن نحرر الطائف من خاطفيه ومشوّهيه. أن نعيد قراءته لا بعين المصالح الصغيرة، بل بعين الدولة. أن نشرح للأجيال الجديدة أن الطائف ليس سبب الانهيار، بل إن الانهيار هو نتيجة التنكر للطائف. وأن نعلن، بوضوح، أن المعركة الوطنية اليوم ليست بين من يريد الطائف ومن يريد إسقاطه فحسب، بل بين من يريد دولة ومن يريد استمرار اللادولة؛ بين من يريد عقدًا جامعًا ومن يريد بازارًا دائمًا للحصص؛ بين من يريد لبنان وطنًا نهائيًا حرًا سيدًا، ومن يريد لبنان ساحة أو وظيفة أو جائزة ترضية.
الطائف ذلك المجهول، يجب أن يصبح معلومًا. معلومًا في المدارس والجامعات، في الوعي السياسي، في خطاب النخب، في برامج الإصلاح، وفي وجدان المواطنين. لا يكفي أن نقول إننا متمسكون به؛ يجب أن نعرف ما نتمسك به. ولا يكفي أن نرفعه شعارًا؛ يجب أن نحوله مسارًا. يبدأ المسار بتطبيق المادة 95، وبتشكيل الهيئة الوطنية، وبإطلاق حوار جدي حول النظام اللاطائفي البديل، وبقانون انتخاب يؤمّن صحة التمثيل ولا يؤبد العصبيات، وبإدارة عامة محررة من القيد الطائفي، وبسيادة لا شريك لها، وبثقافة سياسية جديدة ترى في الدولة ملاذًا لا خصمًا.
لبنان لا يحتاج إلى طائف آخر قبل أن يجرؤ على تنفيذ الطائف الأول. ولا يحتاج إلى مؤتمر تأسيسي جديد قبل أن يعترف بأن مؤتمره التأسيسي الأخير ما زال معطلًا. فالوثيقة التي أنهت الحرب لم تستنفد دورها؛ إنها تنتظر أن تبدأ مهمتها الحقيقية. والطائف ليس ماضي لبنان، بل مستقبل دولته. إنه الطريق الصعب، لكنه الطريق الوحيد المعروف الذي لا يؤدي إلى المجهول. ومن يرفض هذا الطريق عليه أن يجيب بصراحة: ما البديل؟ الانفكاك؟ الغلبة؟ الفدرلة المقنّعة؟ الحماية الخارجية؟ أم استمرار الموت البطيء؟
إن استعادة الوطن تبدأ من هنا: من الاعتراف بأن الطائف لم يمت، بل نحن الذين أدرنا له الظهر. ومن الإقرار بأن الشرعية لا تكتمل بالمناصب، بل بتنفيذ العقد الذي أعطى هذه المناصب معناها. ومن الإيمان بأن لبنان لا يُنقذ بتقاسم خرابه، بل بإعادة بناء دولته. لذلك يبقى الطائف، رغم كل ما أصابه من تجهيل وتشويه وتعطيل، خشبة الخلاص المتاحة، لا لأنه كامل، بل لأنه العقد الوحيد الذي ما زال قادرًا على أن يقول للبنانيين: لا غالب ولا مغلوب، لا طائفة فوق الدولة، ولا دولة من دون مواطنين، ولا وطن من دون عيش مشترك.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الأمن العام اللبناني ينفي... ما علاقة "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني؟
نبض