فرنسا خارج حديقتها الفرنكوفونية نيروبي بوابة التحول الأفريقي الجديد
شفيق طاهر
لم تكن قمة "أفريقيا إلى الأمام" التي عقدت في نيروبي يومي 11 و12 مايو/أيار 2026 مجرد محطة دبلوماسية عابرة في العلاقات الفرنسية الأفريقية. فالمكان نفسه يحمل الرسالة الأهم، للمرة الأولى تعقد قمة من هذا النوع في بلد أفريقي ناطق بالإنكليزية، وخارج المجال التقليدي للمستعمرات الفرنسية السابقة. وقد جاءت القمة، التي شارك فيها أكثر من ثلاثين مسؤولا أفريقيا، تحت عنوان الشراكة من أجل الابتكار والنمو، بما يعكس رغبة فرنسية في إعادة تقديم العلاقة مع أفريقيا لا بوصفها استمرارا لفرانس أفريك، بل بوصفها شراكة استثمارية واقتصادية جديدة.
نيروبي، رمزية المكان
اختيار كينيا لم يكن تفصيلا بروتوكوليا. فنيروبي تمثل لفرنسا بوابة إلى أفريقيا مختلفة، أنغلوفونية، صاعدة اقتصادياً، ومتحررة من الذاكرة الاستعمارية الفرنسية المباشرة. كما تمثل لكينيا فرصة لتكريس نفسها عاصمة دبلوماسية أفريقية قادرة على مخاطبة أوروبا، لا من موقع التابع أو المتلقي للمساعدات، بل من موقع الشريك الذي يفاوض على التمويل والاستثمار والتكنولوجيا.
هذا الانفتاح الفرنسي على أفريقيا غير الناطقة بالفرنسية لا يمكن فصله عن الانهيار الدراماتيكي للنفوذ الفرنسي في الساحل وغرب أفريقيا. فقد غادرت القوات الفرنسية مالي بعد انتهاء انسحابها في أغسطس/آب 2022، ثم أنهت حضورها العسكري في بوركينا فاسو في فبراير/شباط 2023، قبل أن تخرج آخر قواتها من النيجر في ديسمبر/كانون الأول 2023.
بهذا المعنى، لا تبدو قمة نيروبي انتقالا اختياريا فحسب، بل تبدو أيضا استجابة فرنسية لأزمة نفوذ. فالدول التي كانت تعد تاريخيا من ركائز الحضور الفرنسي باتت أكثر ميلا إلى خطاب السيادة ورفض الوصاية، وبعضها فتح المجال أمام شركاء آخرين، من روسيا إلى الصين وتركيا. لذلك تسعى باريس إلى بناء شبكة علاقات جديدة تتجاوز داكار وأبيدجان وباماكو، وتتجه نحو نيروبي ولاغوس وأديس أبابا ولواندا وغينيا بيساو.
من القواعد العسكرية إلى ريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي
بدأت ملامح هذا التحول مع خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو عام 2017، حين تحدث عن مرحلة جديدة في العلاقة مع أفريقيا، تقوم على الشباب والشراكة والمستقبل، لا على الوصاية الاستعمارية القديمة. الخارجية الفرنسية نفسها تصف ذلك الخطاب بأنه أطلق علاقة أكثر اعتمادا على الشراكة مع الدول الأفريقية، وخصوصا مع الأجيال الشابة.
غير أن ترجمة هذا الخطاب جاءت اقتصادية بقدر ما كانت سياسية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2017، وقعت الوكالة الفرنسية للتنمية اتفاقاً في نيجيريا لدعم ريادة الأعمال لدى الشباب الأفريقي، خصوصا في القطاعات الرقمية والزراعية. ثم عاد هذا المنطق بقوة في قمة نيروبي، حيث أعلن ماكرون تعبئة استثمارات بقيمة 23 مليار يورو، أي نحو 27 مليار دولار، في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والزراعة، منها 14 مليار يورو من شركات فرنسية و9 مليارات من جهات أفريقية.
هكذا تنتقل فرنسا من لغة القواعد العسكرية إلى لغة الشركات الناشئة، ومن إدارة الأزمات الأمنية إلى تمويل الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية. لكنها في الجوهر لا تغادر سؤال النفوذ، بل تعيد صياغته بأدوات أقل خشونة وأكثر قبولاً في المزاج الأفريقي الجديد.

شراكة متكافئة أم نفوذ فرنسي بثوب ناعم؟
مع ذلك، لا تكفي عبارات الابتكار والنمو لإلغاء اختلالات القوة القديمة. فالقمة شهدت أيضا مطالبة أفريقية بإصلاح بنية التمويل العالمية، لأن المشكلة، كما طرحها قادة أفارقة في نيروبي، ليست فقط نقص السيولة، بل ارتفاع كلفة الاقتراض بسبب تصورات مجحفة عن المخاطر في أفريقيا. وقد دعم ماكرون فكرة إنشاء آلية ضمان لتخفيف مخاطر الاستثمار، لكن منتقدين رأوا أن المبادرات الفرنسية لا تذهب بعيدا بما يكفي في معالجة قضايا الديون وتحيزات التصنيف الائتماني.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للتحول الفرنسي لا يكمن في عقد القمة خارج الفضاء الفرنكوفوني، بل في ما إذا كانت هذه الشراكات ستنتج تنمية واسعة، أو ستعيد إنتاج العلاقة القديمة بثوب جديد، شركات فرنسية، نخب محلية، وأرباح مركزة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة. فإذا سمحت الشراكة بنقل المعرفة وتوسيع فرص العمل وتخفيض كلفة التمويل، فستكون نيروبي بداية انتقال حقيقي، من فرنسا الفرنكوفونية إلى فرنسا التي تحاول، متأخرة، أن تخاطب أفريقيا كلها.
نبض