جنوب لبنان مُثقل بالجراح... حكاية تسكن في التراب
مريم قنديل (*)
جنوبُنا ليسَ قطعةً من وطن،
ولا مجرّدَ حدودٍ تُرسَمُ على خرائطِ العابرين،
جنوبُنا هو الرَّحمُ الأوّل الذي تعلّمنا فيه معنى الحياة،
هو أوّلُ نبضةٍ سمعناها في قلبِ الأرض،
وأوّلُ دمعةٍ سقطت من عيونِ أمّهاتِنا حينَ نادَينَ أسماءَنا.
فإذا انقطعَ الحبلُ السرّيُّ بيننا وبينه،
تاهت أرواحُنا كأطفالٍ أضاعوا طريقَ العودة،
وصار القلبُ بيتًا مهجورًا،
تصفعُهُ الريحُ ولا يجدُ نافذةً للدفء.
جنوبُنا ليسَ تلكَ المساحةَ الممتدّة من شاطئِ صيدا إلى آخرِ صخرةٍ تُلامسُ الناقورة،
ولا هو أسماءُ القرى والوديانِ والتلالِ فحسب،
بل هو الحكايةُ التي تسكنُ في التراب،
والصلاةُ القديمةُ العالقةُ في هواءِ الحقول،
والنَّبضُ الذي يمشي في عروقِ الناسِ والزيتون.
هو الأرضُ التي إذا مشينا عليها شَعَرنا أنّ أقدامَنا تعرفُها أكثرَ ممّا تعرفُ الطرقات،
وكأنّ الترابَ يحفظُ أسماءَنا واحدًا واحدًا،
ويعرفُ وقعَ خطانا مُذُ كنّا أطفالًا نركضُ حفاةً خلفَ الفراشاتِ والسنابل.
هو صورُ، مدينةُ الإمام الصدر،
المدينةُ التي يشبهُ بحرُها وجهَ أمٍّ تنتظرُ أبناءَها عندَ المساءِ.
وهو قانا، حينَ تُصبحُ الحجارةُ ذاكرةً دامعة،
وتبقى المغارةُ تحفظُ دمعةَ مريمَ ودفءَ المسيحِ ووجعَ الأطفال.
وهو الحجيرُ حينَ يتحوّلُ الوادي صلاةً مفتوحةً للعزّة،
والسلوقيُّ حين يروي للريحِ سيرةَ البطولة،
فتصيرُ الأشجارُ جنودًا واقفينَ في وجهِ العاصفة.
ومن الليطاني إلى الخردلي،
ومن القرى المُطلّة على فلسطينَ الجريحة،
حيثُ الليلُ مثقَلٌ بالحنينِ والأسلاكِ والانتظار،
إلى تلكَ التي تُجاورُ القرعون،
يمتدُّ الجنوبُ كقصيدةٍ لا تنتهي،
كأنّ اللهَ كتبَهُ بالحبرِ والماءِ والزيتِ والدموع.
جنوبُنا هو العلاقةُ السرّيةُ بين صنّارةِ الصيّادِينَ والموج،
كأنّ البحرَ الأبيضَ المتوسّطَ خُلِقَ ليُطيعَ تعبَ أيديهم.
هو المراكبُ الصغيرةُ العائدةُ عندَ الغروب،
تحملُ السمكَ ورائحةَ الملحِ وتعبَ الرجال،
وتحملُ معها قلوبَ نساءِ المرافئ اللواتيَ انتظرنَ طويلًا عندَ الشاطئ.
وهو الشتلةُ المرّةُ المبلّلةُ بالندى،
ترتجفُ بين أصابعِ أمّهاتِنا
كما يرتجفُ طفلٌ صغيرٌ بين يدي أمّه،
فتربّتُ عليهِا الأرضُ بحنانٍ وتقولُ لها: اثبتي … فأنتَ ابنُة هذا التراب.
هو جدّاتُنا وهنَّ ينشرنَ الزعترَ والسماقَ والبرغلَ على سطوحِ البيوت،
فتصبحُ الأسطحُ حقولَ ذاكرة،
ويصيرُ الصيفُ كلُّهُ رائحةً لا تُنسى.
هو صوتُ المناخلِ،
وأيدي الجدّاتِ اليابسة من التعبِ والحبّ،
وهنَّ يخبّئنَ الشتاءَ في الجرارِ والقوارير،
كأنّهنَّ يخبّئنَ العمرَ نفسَه من الفقد.
فتغدو رائحةُ المؤونةِ صلاةً تحفظُ البيوتَ من الجوع،
وتحفظُ القلوبَ من الوحشة.
هو حدائقُ أمّهاتِنا البسيطة،
التي لا تعرفُ الهندسةَ والتنسيق،
لكنّها أجملُ من كلِّ حدائقِ العالم،
لأنّها مزروعةٌ بالحبِّ لا بالزينة،
وبالانتظارِ لا بالترف.
فيها النعناعُ الذي يشبهُ طفولتَنا،
والياسمينُ الذي يتسلّقُ الجدرانَ كدعاء،
وزهرُ الليمونِ الذي كان يملأُ شبابيكَ العمرِ سلامًا،
كأنّ البيوتَ كانت تتنفّسُ عطرًا بدلَ الهواء.
جنوبُنا هو رائحةُ خبزِ التنّور،
حينَ يخرجُ الرغيفُ ساخنًا كقلبِ أمّ،
ومناقيشُ الصاجِ التي تُشبهُ دفءَ الصباح،
ومشاطيحُ الفرنيّةِ وكعكُ العبّاسِ المعلّقُ على ذاكرةِ الطفولة.
هو رائحةُ الملوخيّةِ والمجدّرةِ الحمراء،
وصوتُ المدقّةِ فوقَ بلاطةِ الفراكة،
كأنّ البيوتَ كلَّها تغنّي للحياة،
وكأنّ الجوعَ نفسهُ كان يخرجُ من بيوتنا شبعانَ بالمحبّة.
هو صوتُ: “تفضّل عالقهوة” في الصباح،
و”شرّف عالشاي” مع تعبِ العصر،
وطرقةُ بابِ ابنِ الجيرانِ بلا موعد،
والصحنُ الذي يتنقّلُ بين البيوتِ محمّلًا بالمحبّةِ أكثرَ ممّا هو محمّلٌ بالطعام.
هو تلكَ الألفةُ التي تجعلُ القريةَ بيتًا واحدًا،
إذا بكى طفلٌ فيهِ ارتجفَ قلبُ الجميع،
وإذا فرحَ أحدٌ أضاءت الضحكةُ شبابيكَ الحيّ كلِّه.
جنوبُنا هو أفراحُنا التي تُشبهُ الأعراسَ الشعبيّة،
وخطواتنا التي تهزُّ الأرضَ كأنّها إعلانُ حياة،
والزغاريدُ التي ترتفعُ في السماءِ كأسرابِ حمام.
وهو أحزانُنا التي نتقاسمها كأنّها إرثُ العائلةِ الواحدة،
فنلبسُ وجعَ بعضِنا كما نلبسُ ثياب الحِداد..
هو ركضُ أطفالِنا خلفَ الربيع،
وضحكةُ آبائِنا ساعةَ قطفِ أوّلِ المواسم،
ورائحةُ أمّهاتِنا المختلطةِ بين طنجرةِ اليخنةِ وزهرِ الغاردينيا،
الرائحةُ التي تشبهُ الوطنَ حينَ يصبحُ أمًّا.
هو سهراتُ الشتاءِ حولَ الصوبيّا،
حينَ كانت الحكاياتُ أطولَ من الليل،
وكان دفءُ العائلةِ يكفي ليهزمَ بردَ الدنيا كلّها.
وهو سهراتُ الصيفِ تحتَ سماءٍ مليئةٍ بالنجوم،
تلكَ التي حفظت قصصَ حبّنا،
وشهدت على انتظارِ نسائنا الطويلِ للعائدينَ من غيابٍ طويل،
وعلى الدموعِ التي كانت تُخبَّأُ في آخرِ الليل،
وعلى القلوبِ التي كانت تدعو بصمتٍ كي يعودَ الجميع.
جنوبُنا…
أرضُ الكرامةِ التي لا تنحني،
أرضُ البطولةِ التي كلّما نزفتْ أزهرت،
أرضُ الرجالِ الذين يشبهونَ سنديانَها،
والأمّهاتِ اللواتيَ يخبئنَ وجعَهنَّ خلفَ الدعاءِ.
هو أرضُ المجاهدينَ والشهداءِ الذين كتبوا أسماءهم بالدمِّ على أبوابِ الوطن،
ثمّ رحلوا تاركينَ قلوبَنا معلّقةً بين الفخرِ والبكاء.
واليوم…
يُحرَقُ الجنوبُ،
ويُهدَمُ،
ويُذبَحُ على يدِ احتلالٍ غاشمٍ
لا يرحمُ حجرًا ولا بشرًا،
ولا شجرَ زيتونٍ عجوزًا
كان يقفُ كشيخٍ يحرسُ القرية،
ولا كنيسةً يتردَّدُ صدى أجراسها بين المدن والقرى،
أفراحًا، وصلاةً، وقدّاسًا، وحداد..
ولا مسجدًا تعبقُ فيهِ رائحةُ السجود،
ولا ذاكرةً تختبئُ في صورةٍ قديمةٍ على جدار.
ومعهُ تحترقُ قلوبُنا،
نحنُ المعلّقونَ دائمًا بين الحنينِ والخوف،
بينَ انتظارِ النجاةِ والخشيةِ من الفقد،
نشتاقُ لرائحةِ ترابهِ كأنّها رائحةُ أمّهاتِنا،
ولزيتونِه وزعترِه وزهرِ الليمون،
ولصوتِ البحرِ حينَ كان يهدّئُ خوفَنا في الليالي الطويلة.
جنوبُنا مُثقَلٌ بالجراح،
جرحٌ فوقَ جرح،
حتى صارَ وجعُه يسكنُ في عيونِنا،
وفي نبرةِ أصواتِنا،
وفي دعائنا المرتبكِ كلَّ مساء.
فنموتُ عليهِ كلَّ يومٍ ألفَ ألفِ مرّة،
ونعودُ لنحبَّهُ أكثر،
كأنّ اللهَ حينَ خلقَ الجنوب،
أخذَ من قلوبِ الأنبياءِ حنانَها،
ومن وجعِ الأمهاتِ صبرَها،
ومن ترابِ الأرضِ قدسيتَه،
ثمَّ زرعَ فينا قلبًا
لا يعرفُ إلّا الانتماءَ إليه.
(*) عضو اتحاد الكتّاب اللبنانيين
نبض