لبنان الجميل نريد استعادته... فلتفسح البندقية العاجزة لأسلحتنا القادرة
زاهي جبرائيل
اليوم صباحاً وأنا أسمع فيروز ونصري شمس الدين ووديع الصافي في أغاني سهرة حب ما استطعت أن امنع الدمعة أن تنزل من عيني، يا ربي أين الطيبة اللبنانية. أين العيش اللبناني ذو المقدرة، وأين الثقافة والعلم؟ أين الفرح اللبناني؟ أين التقليد اللبناني؟ أما عاد موجوداً؟ كل شيء راح؟ أين لبنان الذي يعيش الغني فيه بفرح والفقير يعيش بفرح. ابن الغني وابن الفقير يتعلمان على نفس المقعد. أنا ابن عامل الترابة الذي ترك أرضه إلى الثورة الصناعية جلست وابن رئيس مجلس نواب لبنان على المقعد ذاته في الجامعة الاميركية. لا فوارق استطاعت أن تمنعنا أن نكون أصدقاء وأخوة وللآن. من يرانا لا يستطيع أن يميِز بيننا، لانه لبنان، لبنان الأصالة. وكيف لي أن انسى ابن كفرحيم صديق الجامعة الذي ذهب معي للكنيسة نصلي المديح سوية وحقن في دمي شيئاً من الإباء والكبرياء الدرزي. هكذا كان لبنان لكل اهله يعيشون بالفرح الذي يتجدد كل يوم. أين أنت يا ساحة البرج يا حضن كل اللبنانيين، قومي وانهضي من جديد، قومي واحتضني كل اللبنانيين من كل المناطق وكل الطبقات. كان عمري 16 سنة اتعلم في مدرسة الآباء الكبوشيين في البترون وبعد الظهر اذهب ببوسطة الأحدب لأتمرن في نادي مليح عليوان في رمل الظريف. أنا ابن القرية الصغيرة كم كنت افرح وأنا أمشي في ساحة البرج حول ساعة الزهور إلى ساحة رياض الصلح مروراً بالمعرض ألتقي أناس من كل المناطق أتعرف عليهم، وعيني تسترق النظر على لوحات دور السينما حول ساحة البرج. الشعب اللبناني بطيبته وجمال معشره وذكائه المرِن صنع يومها لبنان الجميل. وكانت الدولة لها هيبة وكان لرجال الدولة هالة من العظمة. كانت كل الدنيا في لبنان وكل الحضارات تسير في طرقات لبنان. لا بلد على وجه الأرض كان مثل لبنان. واحة الأمن والسلام والازدهار والعيش الجميل. شركات الدنيا كلها كانت تريد التواجد في بيروت. مدراء الشركات والمؤسسات العالمية كانوا لا يهدؤون حتى يتم نقلهم إلى مكاتب بيروت. الخليج العربي الطيب صنع عالماً له في جبال لبنان. الخليجي صبغ بحمدون بعباءته البيضاء وصبغته بحمدون بمناخها العليل. يقول لي شخص عزيز كويتي: أكثر شيء لا أنساه في حياتي هو صبحية على فنجان قهوة مع عائلة لبنانية. ويقول لي صديق خليجي آخر: أنسى كل الدنيا وأنسى كل الأتعاب وضغوط العمل وأنا أتناول صباحاً في فرن صغير منقوشة الزعتر اللبنانية. كل الدنيا لها ذكريات في الجامعة الأميركية وشارع بلس ومقاهي بيروت وعظمة حرم مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. لبنان الجميل كان فعلاً عالَم في بلد.
وهكذا فجأة راح كل شيء، انهار كل شيء. الشيطان الجهنمي بمنجله الناري ما عاد يشبع من حصد الرؤوس اللبنانية ومن شرب الدم اللبناني الشاب الذكي. الشيطان الجهنمي حفر لنا حفرة من الشعارات والأضاليل والمكاسب السرابية التي لا صلة لها بلبنان ولا بتقاليد لبنان ودفعنا إليها، وصار عقلنا غريزة، وتحطم كل شيء وابتسم الشيطان. الوباء الذي ضرب البلد حملته رياح خارجية وانزرع في محلول داخلي ملائم فنبت اينما كان في البلاد فيروسات جرثومية وطفيلية. وما سلاح حزب الله إلا من ذا المحلول الداخلي وقبله كان غيره وبعده غيره سيكون، والوباء يتنقل من بيئة إلى أخرى، إن لم نقتلعه بلقاح فتاك.
قبل جلوسنا مع إسرائيل، وليست هي الوباء الوحيد، ليتنا نجلس ونكتب على ورقة، ماذا تريد منا إسرائيل وماذا لنا عندها. معه حق السفير الأميركي حين قال: نتنياهو ليس بعبعاً. البعبع في داخلنا ونتنياهو أحد الذين يحركون هذا البعبع. أذكر من سنوات كنت تلقيت دعوة للمشاركة بطاولة مستديرة في تركيا حول شؤون الطاقة في الحوض المتوسط ، ومن برنامج الدعوة من المدعوين إلى هذه الطاولة خبيرة إسرائيلية على ما أذكر إسمها جينا كوهين. وبالفعل لوجود إسمها على الطاولة أعددت نفسي بطريقة استثنائية واستحضرت كل علمي وخبرتي لأكون متجلياً على هذه الطاولة في تبيان حقوق بلادي التي أعشق وأُظهِر الدور الذي يستطيع لعبه بلادي ولا يسمح لأحد أن يأخذه منه، ووضعت بيني وبين نفسي لائحة من النقاط المفخخة التي توقعت أن ترفعها في وجهي الخبيرة الإسرائيلية على هذه الطاولة، وكان استعدادي ليس بشعارات بل بأرقام ومعطيات علمية وفي أكثر من اتجاه. صارت الطاولة عندي قضية ما عدت أرى إلا علم بلادي مزروعاً على هذه الطاولة وأني سأكسر اليد التي ستمتد لتشويهه أو تحجيمه. وقد أعلمت أحد المسؤولين بهذه الطاولة، وجاءني الجواب: لا تذهب، فإن تواجدت والخبيرة الإسرائيلية على طاولة واحدة فأنا لا أضمن عودتك للبلاد. فسألت، لماذا لا أذهب؟ مما سأخاف، فلا جينا كوهين ولا مئة من أمثالها يستطيعون زعزعة إيماني ببلدي وإطفاء نار عشقي لبلدي وللدفاع عنه. لا أستطيع قهر عدوي وردعه عن بلدي ما لم أواجهه. ما كان يوماً الهروب من المشكلة هو الحل لها. هذا الهروب هو إنتقاص من قدراتنا وزرع الشك في بصيرتنا وفي عنفواننا. لماذا جينا كوهين لا تخاف من مواجهتي وأنا يجب أن أنكفئ وأخاف منها؟ هذه الفلسفة الواهية هي التي تزعزع بلدنا. وانكفأت مرغماً وما ذهبت. نحن في السلاح الحربي لسنا على تكافؤ مع قدرات إسرائيل، ومع هذا نريد مواجهتها، بينما في العلم والمعرفة والحنكة وطاقات انتشارنا الأممي إسرائيل لا تستطيع المزايدة علينا، لا بل قد نفوقها، وممنوع علينا هنا حيث لا تستطيع أن تقهرنا، ممنوع علينا أن نواجهها؟ لا يا سادة ما هكذا تورد الإبل. بلدنا الجميل نريد استعادته، والبندقية ما أعادته ولن تعيده، فلتفسح المجال للمنطق والعلم وطاقات انتشارنا الأممي، كلها أسلحة نمتلكها وتخافها إسرائيل، لكننا لن نجيد استعمالها ونحن لسنا على عشق بهذا الوطن، ومن هذا العشق تكون البداية. سلام لك يا فخامة الرئيس.
نبض