لبنان… حلم الآباء

منبر 13-05-2026 | 12:47

لبنان… حلم الآباء

في هذا الوطن الصغير المُعلَّق بين البحر والجبل، لا تُشبه الحياةُ أيَّ مكانٍ آخر.
لبنان… حلم الآباء
تعبيرية
Smaller Bigger

شرف أبو شرف

 

في هذا الوطن الصغير المُعلَّق بين البحر والجبل، لا تُشبه الحياةُ أيَّ مكانٍ آخر.
لبنان ليس مُجرّد أرضٍ تُرى، بل حالةٌ شعوريّةٌ تُعاش. قطعةُ دفءٍ وسط عالمٍ بارد، ونافذةُ أملٍ تُفتح كلّما ظنَّ الناس أنّ الأبواب أُغلِقت نهائياً. هنا، حتّى في عزِّ الحرب، يبقى الناس يبحثون عن أغنية، عن فنجان قهوة، عن لقاءٍ عابر يُعيد إليهم الإيمان بأنّ الحياة تستحقّ أن تُعاش.

الحرب مشتعلة مُجدّداً في الجنوب. إسرائيل تقصف القرى الحدوديّة بلا رحمة، البيوت تُهدَم، والطُّرقات التي حفرت فيها الأجيال ذكرياتها تتحوّل إلى ركام. وتردّ المقاومة الشيعيّة بما لديها من أسلحةٍ وذخائر، فتُهجِّر أهل الشمال في إسرائيل.
آلاف القتلى والجرحى في الجنوب، وموجات نزوحٍ تجاوزت المليون إنسان، توزّعوا على المناطق اللبنانيّة، يحملون معهم خوفهم وحنينهم وصور بيوتهم المُعلّقة في الذاكرة.
تحاول الدولة اللبنانية، بالدبلوماسيّة والاتصالات، البحث عن مخرجٍ يوقف هذه المأساة. والسياسة، كعادتها، تشتبك وتتباعد وتتخاصم. أمّا الناس، فقد تعبوا من الحروب. تعبوا من الأخبار العاجلة، ومن صور الدمار، ومن انتظار المجهول. يريدون فقط أن يعيشوا، أن يناموا بلا خوف، وأن يستيقظ أطفالهم على صوت المدرسة لا على هدير الطائرات المُسيَّرة.

لكنّ ما يُدهش في اللبناني، أنّه حتّى حين يُحاصَر بالخوف، لا يستسلم له بالكامل. يُقاوم نفسياً قبل أن يُقاوم جسدياً. يُقاوم كي لا يتحوّل إلى كائنٍ يعيش فقط للبقاء البيولوجي. يريد أن يبقى إنساناً يشعر، يحبّ، يفرح، ويحلم. لهذا امتلأت النوادي الرياضيّة بالناس الهاربين من القلق.
صار الركض نوعاً من العلاج، وصارت اليوغا محاولةً لترميم الداخل المُتصدِّع. ارتفعت الموسيقى في المقاهي الصغيرة، وازدحمت المطاعم بأشخاصٍ يعرفون جيّداً أنّ الجيوب فارغة أحياناً، لكنّ القلب يحتاج إلى لحظة حياة كي لا يموت اختناقاً. حتّى الكتابة تحوّلت إلى ملجأ. صار الناس يكتبون أكثر، ويقرأون أكثر، ويتناقشون أكثر، كأنّ الثقافة نفسها أصبحت فعل مقاومة. وفي خضمّ هذا الخراب، بدأت تنشأ مبادرات صغيرة تُشبه الضوء الخافت في آخر النفق. نوادٍ للقراءة والكتابة، تضمّ عشرةً أو عشرين شخصاً، يجتمعون حول كتاب، أو شاعر، أو فكرة، أو حتّى حول وجعهم المُشترك. إنّهم يؤمنون أنّ الثقافة في لبنان جزءٌ من هويّته وتاريخه. فلبنان الذي علَّم الشرق الصحافة والمسرح والشعر، لا يمكن أن يعيش بلا فكرٍ ولا فنّ.

قُدِّر لي أن أرافق إحدى تلك المجموعات في رحلةٍ ثقافيّة ورياضية إلى بلدة إهدن في شمال لبنان. كان الربيع هناك يُشبه صلاةً هادئة. الضباب يمرّ بين الأشجار ببطء، والهواء المُنعش يحمل رائحة التراب والأرز، كأنّ الطبيعة نفسها تحاول تضميد النفوس المُتعبة. كنّا قرابة عشرين شخصاً من مختلف الأعمار والمناطق اللبنانيّة. بعضهم هرب من بيروت المُثقَلة بالضجيج والخوف، وآخرون جاؤوا فقط بحثاً عن استراحة قصيرة من ثقل الحياة. لم تجمعهم السياسة، بل جمعتهم الثقافة، والإنسانيّة، والرياضة والرغبة بالبقاء طبيعيّين وسط الجنون.
جلسوا يناقشون شعر فوزي يمين، وتأمّلوا لوحات صليبا الدويهي، وكتبوا نصوصاً عن أحلام آبائهم القديمة؛ عن البيت اللبناني، وعن الحديقة الصغيرة، وعن مواسم الزيتون والعنب، وعن لبنان الذي يريدونه لا لبنان الذي يُفرَض عليهم.
كان واضحاً أنّ الحرب أنهكتهم نفسياً. بعضهم لم يعد ينام جيّداً، وبعضهم صار يخاف من الأصوات المُفاجئة. إحداهنّ قالت بهدوء:
"صرنا نبحث عن أيّ شيء يُذكّرنا بأنّنا ما زلنا أحياء".
بعد النقاشات، تجوّلنا في البلدة. وهناك ظهر لبنان الحقيقي، لبنان الناس لا لبنان السياسة. كلّ شخصٍ يُصادفك يبتسم لك.
كلّ صاحب متجر يدعوك إلى فنجان قهوة.
تشعر وكأنّ الجميع يعرفك منذ سنوات.
تشتري شيئاً صغيراً، فيضيف البائع قطعة حلوى، أو كلمة محبّة، أو دعوةً للعودة مُجدّداً.
أحد وجهاء البلدة دعانا لممارسة الرياضة في حديقة منزله الواسعة، ففعلنا ذلك بكلّ سرور. كما لبّينا دعوة غداء عند أحد الأصدقاء الإهدنيين. وحين سألته إحداهنّ عن أجمل منطقة يجب زيارتها في لبنان، صمت قليلاً ثم قال:
"كلّ لبنان جميل… كلّ منطقةٍ فيه تُشبه قصّة مختلفة. لبنان تاريخٌ طويل، وجغرافيا جميلة جداً ومهمّة جداً، وكنزُ حضارات". كرم الضيافة هنا ليس تَصنُّعاً، بل جزءٌ من الشخصيّة اللبنانيّة نفسها؛ حرارةٌ تلقائيّة لا تحتاج إلى مناسبة.
أثناء تجوالنا لاحقا في الساحة القديمة، لمح بعض فتيات المجموعة رجلَ أعمالٍ لبنانياً معروفاً، ناجحاً في لبنان وبلاد الاغتراب. كان جالساً مع زوجته في مقهى على مقربة من الرصيف، يحتسيان فنجانَي سحلب، بعيداً عن الرسميّات والحراسات. حيَّينه بابتسامة، فردّ التحيّة بمحبّة حقيقيّة. قال لهنّ إنّه يأتي إلى إهدن كلّ فترة "من أجل السحلب"، مُبتسماً، ثم أضاف: "وأيضاً لأهرب من ضجيج المدينة وهمومها".
أخبرته الفتيات أنّهن يعملن على مشروعٍ صغير لصناعة الحلويّات وبيعها، وسألنه عن بعض النصائح في الإدارة والتسويق. فوقف معهنّ بكلّ بساطة، وبدأ يشرح لهنّ بحماسة، كأنّه يعرفهنّ منذ زمن. طلب منهنّ التواصل معه لاحقاً إذا احتجن إلى أيّ مساعدة.
حينها أدركتُ مُجدّداً أنّ هذا البلد، رغم كلّ شيء، لا يزال حياً. الحروب قد تهدم الحجر، لكنّها لم تستطع، حتّى الآن، أن تهزم روح الناس. فاللبناني، مهما تعب، يبقى مؤمناً بالحياة. يبحث عن الفرح حتّى وسط الحزن، وعن الجمال وسط الركام، وعن لقاءٍ دافئ وسط الانقسامات.
لقد فرّقت السياسة الناس طويلاً، لكنّ الشعب، في أعماقه، لا يريد سوى السلام والأمان والازدهار. يريد أن يعيش بكرامة، وأن يفتح نافذته على وطنٍ يُشبه أحلامه لا مخاوفه.
ولعلّ أجمل ما في لبنان، أنّ أبناءه، رغم كلّ الخيبات، ما زالوا، كآبائهم، يملكون القدرة على الحلم…
ولا بدّ أن يأتي يومٌ يصبح فيه هذا الحلم حقيقة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/12/2026 9:20:00 PM
الإمارات العربية المتحدة تعلن إدراج 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية
كتاب النهار 5/12/2026 10:58:00 AM
تواجه بلدية بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية مشكلة في نقل نازحين في الخيم، عند الواجهة البحرية لبيروت إلى المدينة الرياضية أو إلى مدارس تؤوي نازحين مثلهم
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.