العلويّون و"الجمهوريّة الثّالثة": من "رهائن الجغرافيا" إلى رحاب "الدّولة والرّقمنة"

منبر 13-05-2026 | 10:34

العلويّون و"الجمهوريّة الثّالثة": من "رهائن الجغرافيا" إلى رحاب "الدّولة والرّقمنة"

إذا كان مقالي السّابق قد شخص "العقم الاستراتيجيّ" الّذي يعتري المؤسّسات التّمثيليّة للطّائفة الإسلاميّة العلويّة في لبنان، فإنّ السّؤال الّذي يفرض نفسه اليوم مع تسارع الانهيارات والتّحولات: كيف يمكن لهذه الطّائفة أن تتحوّل من "رهينة" في زواريب الجغرافيا السّياسيّة إلى "شريك" في بناء الاقتصاد اللّبناني الجديد؟
العلويّون و"الجمهوريّة الثّالثة": من "رهائن الجغرافيا" إلى رحاب "الدّولة والرّقمنة"
تظاهرة منددة بمحازر الساحل في القامشلي.
Smaller Bigger

 الشّيخ. د. شادي عبده مرعي

 

 

 

إذا كان مقالي السّابق قد شخص "العقم الاستراتيجيّ" الّذي يعتري المؤسّسات التّمثيليّة للطّائفة الإسلاميّة العلويّة في لبنان، فإنّ السّؤال الّذي يفرض نفسه اليوم مع تسارع الانهيارات والتّحولات: كيف يمكن لهذه الطّائفة أن تتحوّل من "رهينة" في زواريب الجغرافيا السّياسيّة إلى "شريك" في بناء الاقتصاد اللّبناني الجديد؟
إنّ الخروج من القوقعة، الّتي فَرضَتْها الظُّروفٌ – أو فُرِضَتْ ذاتيّاً – على الطّائفة، لا يمرّ عبر استجداء المواقع في السّلطة، بل عبر إعادة تعريف "الهويّة السّياسيّة" للعلويّين كقوّةِ دَفْعٍ مَدَنيَّةٍ، عابرةٍ للمحاور، ومنخرطةٍ في لغةِ العصر؛ وأمَّا الهوية الدّينية فالحديث عنها في المقال التّالي بشكلٍ مُفصّلٍ.
أوَّلا- تحطيم جدران العزلة: من "الغيتو" إلى الفضاء الوطني 
حُصِرَ الوُجُودُ العَلَويُّ لسِنَوَاتٍ طويلةٍ في "غيتوهات" جغرافيّة وسلوكيّة، استُخدمت كوقودٍ في صراعاتٍ لا تشبه تطلّعاتِ أبنائها. ولم تقتصرِ العزلةُ هنا على البُعدِ الجغرافيّ فحسب (جبل محسن أو عكار)، بلْ تَعَدْتَها وصارتْ عزلة ذهنيّة ونفسيّة تراكمت عبر عقودٍ من الشّعور بـ"الأقليّة القلقة".
اليوم، وفي ظل الحديث عن اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة، يبرز خطرٌ داهِمٌ: أن تتحوّل الطّائفة إلى "جزيرةٍ معزولةٍ" إذا لم تمتلكْ نخبُها مشروعاً إنمائيّاً، ورؤيةً اقتصاديَّةً تتجاوز الارتهان للزّعامات التّقليديّة، وتتخطّى منطق "المساعدات العينيّة" الّتي يعتاش عليها كثيرون من الاغتراب (خصوصاً أُوستراليا). وأُعيدُ وَأُكرِّرُ: إنّ "العلويّ اللبنانيّ" مُطالَبٌ اليومَ بأنْ يكون "مواطناً استراتيجيّاً" يرى في طرابلس وعكار وعموم لبنان مساحتَهُ الحيويَّةَ، لا مجرّد مربَّعاتٍ (طائفيّة - أمنيّة).
والمطلوبُ هنا ثلاثةُ أمورٍ:
 1-الانفتاح الهويّاتيّ: التّوقف عن تعريف النّفس من خلال الخوف من الآخر، والبدء بتعريف النّفس من خلال المساهمة في المشترك الوطنيّ.
2-التّشبيكُ العابرُ للمناطق: كسر الحواجز مع الجوار (طرابلس والمنية والضّنيّة) عبر مبادرات شبابيّة وجمعياتيّة مشتركة، تُحوِّل نقاطَ الاشتباكِ السّابقة إلى نقاط تلاقٍ إنسانيّ وتنمويّ.
3-المواطنة المكانيّة: أن يشعر العلويُّ في بيروت أو الجبل أو الجنوب بأنّه جزءٌ من نسيج منطقته، لا مجرّد "زائرٍ" أو "ملحقٍ" بمرجعيّةٍ بعيدةٍ.
ثانياً-اقتصاد المعرفة: الرّافعة البديلة للارتهان والتّحرّر:
تمتلك الطّائفة العلويّة في بلاد الاغتراب كنزاً من العقول في مجالات التّكنولوجيا، الطّب، والهندسة. هذه العقول هي "الجيش البديل" الّذي يجب أن يقود المرحلة، وعليه: إنّ بناء "منصة رقميّة"، تجمع هذه الكفاءات لتمويل مشاريع صغيرة ومتوسّطة في الدّاخل اللبنانيّ، هو الرّدّ الحقيقيّ على الفقر والتّهميش، كما أنّه "الفعل الاستراتيجيّ" الّذي يحرّر القرار السّياسيّ للطّائفة من ضغوط الحاجة والتّبعيّة.
وَبما إنّ الطّائفة تفتقرُ إلى إقطاعٍ ماليٍّ، أو أراضٍ شاسعة، فإنّ رأسمالها الحقيقيّ هو "العقل".
1-عقل الاغتراب: تحويل المغترب العلويّ من "مصدر حوالاتٍ ماليّةٍ" إلى "مصدر خبرات"، عن طريق البَدْءِ بِبِناء منصة "مركز المواهب" أو "محور الكفاءات" (Talent Hub) تربط المبرمجين والمهندسين والباحثين في الخارج بجيل الشّباب في الدّاخل لتدريبهم وتوظيفهم عن بُعد. هذا العقل العلويّ المغترب عليه أنْ يسعى جاهداً لربط  كُلِّ أُسرةٍ علويّة لبنانيّة بمصدر دخلٍ خارجيّ، عن طريقِ تأمين سفر مضمون لأحد أفرادها إلى بلاد الاغتراب التي تسعُ الجميعَ سكناً وإقامة وعملاً، بدلَ حوالات شهريّة تسندُ جائعاً، لكنها لا تُطوّرُ مجتمعاً.
2-الاستثمار في النّخبة: إنشاء صناديق منح تعليميّة مستقلّة تدعم المتفوّقين في اختصاصات "المستقبل"، لضمان وجود طبقة تكنوقراط علويّة تشارك في إدارة الدّولة.
ثالثاً-الحياد الإيجابي: ضرورة لا تَرَفٌ (التَّمَوضُع كـ"جسرٍ" لا كـ"خندقٍ)"
هناك نظريّة قمتُ بطرحها على صفحات التّواصل بعد دراسةٍ معمقةٍ: "إنَّ العلويّين في لبنان طائفة لبنانيّةٌ، حياديّة، مستقلة، على مسافةٍ واحدةً من الجميع". وهذا الحيادُ ليس هروباً من المسؤوليّة الوطنيّة، بل هو قمّة المسؤوليّة؛ فالحيادُ هنا يعني عدم الانغماس في صراعات المحاور الّتي لم تجلبْ للطّائفة سوى الاستنزاف البشريّ والماديّ. إنّ تموضع العلويّين كـَ "جسرِ تواصلٍ" بين المكوّنات اللبنانيّة، مستندين إلى تاريخهم في الانفتاح، هو الّذي سيجعل منهم رقماً صعباً في "الجمهوريّة الثّالثة". والحياد الّذي أقصده:
1- لا يعني السّلبيّة: بل هو قرار استراتيجي بحماية المجتمع من المحارق الإقليميّة.
2- الاستقلال عن المحاور: إعلان الطّائفة أنّها ليست جزءاً من أيّ صراعٍ خارجيٍّ، وأنّ بوصلتها هي الدّستور اللبنانيّ، والمصلحة الوطنيّة العليا فقط.
3- دور الوسيط: بفضل طبيعة العلويّين كأقليّة منفتحة تاريخيّاً، يمكنهم لعب دور "الهمزة" بين المكوّنات المتصارعة، مما يمنحهم قيمة سياسيّة مضافة تتجاوز حجمهم الدّيمغرافيّ.
4-الأمن بالتّفاهم لا بالسّلاح: الانتقال من مفهوم "الحماية الخارجيّة" إلى مفهوم "الأمان عبر الشّراكة الوطنيّة" والالتزام الكامل بمؤسسات الدّولة العسكريّة والأمنيّة.
رابعاً- نحو "عقد اجتماعي" جديد: "المواطن العلوي" أولاً
ومن موقع الحريص والمتابعِ والباحث، أدعو إلى ورشة عملٍ وطنيّةٍ علويَّةٍ، تجمع الشّباب المغيّب والنّخب المهاجرة، لصياغة "وثيقةٍ سياسيّةٍ" واضحةِ المعالمِ: وثيقة لا تتحدّث لغة المظلوميّة، بل لغة المبادرة، وتعمل على:
1- تفعيل المساءلة الدّاخليّة: عن طريق تفعيل دور الهيئة العامة في المجلس الإسلامي العلوي (يمكن أن تكون بحقٍّ برلمان الطّائفة)، إذ تضمّ الدّكتور والمهندس والمحامي والأستاذ والحرفيّ والصّناعي والتّاجر والمختار..، إضافة إلى (النّواب والضّباط السّابقين...) وتغييبها ليس مجرد "تقصير إداريّ"، بل هو إلغاء لجوهر الدّيمقراطيّة والتّشاركيّة داخل الطّائفة، وتكريس لحكم القِلَّةِ  (Oligarchy).
2- تطالبُ بِالدّولة: وتحاسب المقصّرين من أبنائها قبل الغرباء، وتعلن بوضوح أنّ زمن "الوكالات الحصريّة" لتمثيل الطّائفة قد انتهى إلى غير رجعةٍ.
3- ترسيخ شرعيّة الكفاءة: بعد استبدال الوراثة في المؤسسة الوحيدة للطائفة (المجلس العلوي) بنظام انتخابي وتمثيلي شفاف يعتمد المعايير العلمية والحوكمة.
4- صياغة وثيقة الثّوابت: وهي وثيقةٌ تجمع بين الوضوح الاستراتيجيّ، واللّغة الوطنيّة الجامعة، بحيث تظهر الطّائفة كمكوّن يطرح رؤيةً لبناء الدّولة وليس كمجموعة منغلقة.
أخيراً:
هذه النقاط ليست مجرد أفكار حالمة، بل هي ضرورة وجودية. ففي لبنان الجديد، لن تكون القوّة لمن يمتلك "السّلاح" أو "التّاريخ المرير"، بل لمن يمتلك "المشروع" و"الكفاءة" و"القدرة على العيش مع الآخر". والوقت يداهم الجميع لركوب قطار التّغيير، قبل أن يتوقف في محطة "النّسيان السّياسيّ"؛ ولبنان الغد هو بلد "البرامج لا الشّعارات"، وإذا لم يتقدم العلويّون ببرنامجهم الوطنيّ المتكامل، سيجدون أنفسهم أمام طاولة مفاوضاتٍ لا مقعد لهم عليها. لقد ولّى زمن الانتظار، وبدأ زمن "الانتزاع"؛ انتزاع الحقوق عبر الكفاءة، وانتزاع الدّور عبر الانتماء المطلق لسيادة الدّولة اللبنانيّة...
وأختمُ باستدراكٍ أرسلهُ لي عالمٌ إسلاميٌّ جليلٌ من جبال الضّنيّة الشّمّاء: "لكن في لبنان: على كلّ مكوّنٍ أن يهتمّ بوضعه ضمن بقيّة المكوناتِ، وينتهي منَ السّكن في لبنان وهو تابعٌ لفريقٍ في الخارج، الّذي بدورهِ لا يهتمُّ بسلامتهِ، بل يستعمله لما يحسبه مصلحةً خاصَّةً. إنّ الواقع يفرضُ الوحدة الوطنيّة بالجامع المشترك مع حفظ الخصوصيّة، لكن هذا يحتاج لوقتٍ يكفي لِتَرَاجُعِ الجماهيرِ الهائِمَةِ".
وأَسمحُ لنفسي بمتابعة سماحته: " أمَّا نحن العلويّين في لبنان، فلم يعد هناك أيّ فريقٍ خارجيّ نتبعهُ، سوى عقلنا العلويّ المغترب، وواجب علينا اللّحاق به".

المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/12/2026 9:20:00 PM
الإمارات العربية المتحدة تعلن إدراج 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية
كتاب النهار 5/12/2026 10:58:00 AM
تواجه بلدية بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية مشكلة في نقل نازحين في الخيم، عند الواجهة البحرية لبيروت إلى المدينة الرياضية أو إلى مدارس تؤوي نازحين مثلهم
لبنان 5/12/2026 11:50:00 AM
شدد قاسم على أن "الاتفاق الإيراني- الأميركي الذي يتضمن وقف العدوان على لبنان يكاد أن يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان"...