الجنوب بين نار العدوان ووجع النزوح

منبر 13-05-2026 | 10:28

الجنوب بين نار العدوان ووجع النزوح

في الثاني من آذار 2026، لم يكن الجنوب اللبناني على موعد مع جولة عسكرية عابرة، بل مع فصل جديد من حرب مفتوحة أرادها الاحتلال الإسرائيلي حرب اقتلاع ممنهجة للإنسان والأرض والذاكرة.
الجنوب بين نار العدوان ووجع النزوح
نازحون من الجنوب (إي بي اي)
Smaller Bigger

عبدالله ناصرالدين

 

 

 

في الثاني من آذار 2026، لم يكن الجنوب اللبناني على موعد مع جولة عسكرية عابرة، بل مع فصل جديد من حرب مفتوحة أرادها الاحتلال الإسرائيلي حرب اقتلاع ممنهجة للإنسان والأرض والذاكرة. فمنذ الساعات الأولى لذلك اليوم، انهالت الغارات الجوية والقذائف المدفعية على القرى والبلدات الجنوبية، لتعيد إلى الأذهان مشاهد الحروب السابقة، ولكن بوحشيةٍ أشد، وبنيةٍ واضحة لتكريس واقع جديد على الحدود اللبنانية- الفلسطينية.

بدأ العدوان بذريعةٍ أمنية معتادة، سرعان ما سقطت أمام حجم الاستهداف الذي طاول المنازل المأهولة، والمؤسسات التربوية والصحية، ودور العبادة، والطرق وشبكات المياه والكهرباء. لم يكن الهدف مواقع عسكرية فحسب، بل مجتمع كامل يراد له أن يُقتلع من جذوره. خلال خمسة وأربعين يوماً من القصف المتواصل، تحولت قرى بأكملها إلى مدن أشباح. كفركلا، العديسة، يارون، عيتا الشعب، ميس الجبل، الخيام، حولا، مركبا، الطيبة، دير سريان وغيرها من البلدات، دفعت أثماناً باهظة من دم أبنائها ومن حجارة بيوتها التي سقطت فوق ذاكرة أجيال كاملة.

وفي منتصف نيسان 2026، دخلت هدنة حيّز التنفيذ برعاية أميركية، وسط آمال في أن تكون بداية لوقف النزف وعودة النازحين إلى منازلهم. غير أن الاحتلال، كعادته في كل المحطات السابقة، تعامل مع الهدنة بوصفها فرصة إضافية لاستكمال ما عجزت عنه الحرب المباشرة. توالت الخروق، وتكثفت الاعتداءات على القرى الحدودية، وتواصلت عمليات نسف المنازل وتجريف الأراضي الزراعية، في محاولة واضحة لخلق شريط حدودي مدمّر وخالٍ من السكان.

ومع تصاعد الاعتداءات، أعلن الاحتلال ما سمّاها "المنطقة الصفراء"، وهي خط وهمي فرضه بالنار، أراد من خلاله تحويل الأرض اللبنانية المحاذية للحدود إلى منطقة عازلة تمتد داخل القرى والحقول والبساتين. بذلك، لم يعد الأمر مجرد خرق للسيادة اللبنانية، بل مشروع مكشوف لإعادة رسم الجغرافيا وفرض وقائع جديدة بالقوة.

ولم تتوقف سياسة التهجير عند القرى الواقعة جنوب الليطاني، بل امتدت إلى بلدات شمال النهر عبر رسائل تحذير وإنذارات إخلاء، ما أدى إلى موجة نزوح واسعة شملت مناطق من صيدا غرباً إلى مرجعيون والخيام شرقاً. وهكذا تحوّل الجنوب كله إلى ساحة حرب مفتوحة، وإلى مسرح يومي لاعتداءات لا تفرّق بين مدني ومقاوم، ولا بين طفل وامرأة وشيخ.

إجتماعياً، يعيش أبناء الجنوب والضاحية الجنوبية واحدة من أقسى المراحل في تاريخهم الحديث. عشرات آلاف العائلات لا تزال موزعة بين مراكز إيواء ومدارس رسمية ومنازل مستأجرة بأسعارٍ تفوق قدرتها على التحمّل. أعمال متوقفة، مصادر رزق مفقودة، أعباء معيشية متفاقمة، وذلك بعد سنوات من الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، وجائحة كورونا، وحرب 2024، لتأتي حرب 2026 وتضيف إلى الجروح جرحاً جديداً.

لقد أثبت الاحتلال مرة أخرى أن منطقه لا يقوم على الأمن فحسب، بل على القتل والتدمير وتنفيذ مشروع توسعي لا يخفي أطماعه. فلم يعد الحديث عن "حماية الحدود" مقنعاً، في ظل خرائط وخطابات تتحدث صراحةً عن توسيع النفوذ وفرض أمر واقع جديد على حساب دماء الأبرياء.

ومع ذلك، يبقى أبناء الجنوب أوفياء لأرضهم. يحملون مفاتيح منازلهم، ويتمسكون بأشجار الزيتون وحقول التبغ وأجراس الكنائس ومآذن المساجد، ويؤمنون بأن العودة حق لا يسقط بالقصف، وأن الركام ليس نهاية الحكاية، بل بداية جديدة لصمود اعتاد أن ينتصر على الخراب.

إنها صرخة الجنوب اليوم: دعوا أهل هذه الأرض يعيشون بسلام. أوقفوا آلة القتل. أعيدوا الأطفال إلى مدارسهم، والمزارعين إلى حقولهم، والناس إلى بيوتهم. فالجنوب لا يطلب أكثر من حقه الطبيعي في الحياة الكريمة فوق أرضه التي لم يتخلَّ عنها يوماً، ولن يتخلى عنها مهما اشتدت العواصف.

         
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/12/2026 9:20:00 PM
الإمارات العربية المتحدة تعلن إدراج 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية
كتاب النهار 5/12/2026 10:58:00 AM
تواجه بلدية بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية مشكلة في نقل نازحين في الخيم، عند الواجهة البحرية لبيروت إلى المدينة الرياضية أو إلى مدارس تؤوي نازحين مثلهم
لبنان 5/12/2026 11:50:00 AM
شدد قاسم على أن "الاتفاق الإيراني- الأميركي الذي يتضمن وقف العدوان على لبنان يكاد أن يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان"...