حرب الاستنزاف: كيف يصبح السلام خيارًا عقلانيًا؟
جبران الخوري *
الحديث عن وصول لبنان إلى نقطة الانكسار الاستراتجية Strategic Culmination Point نتيجة الأكلاف البشرية والمادية المتراكمة يقتضي مقاربة أكثر تعقيدًا من مجرد قياس حجم الدمار أو عدد الضحايا.
هذا النوع من النزاعات يتطلب التمييز بين الحرب النظامية التقليدية Conventional Warfare والحرب اللامتماثلة Asymmetric Warfare. فمن المؤكد أنّ لبنان يتحمّل خسائر هائلة، وأن الجنوب اللبناني وسكانه يتعرضون لعمليات قتل ودمار واسع النطاق وانهيار اقتصادي واجتماعي متزايد، غير أنّ هذه الوقائع، على خطورتها، لا تكفي وحدها للحكم على المسار الاستراتيجي للصراع أو تحديد ما إذا كان أحد الأطراف قد بلغ فعلًا نقطة الذروة.
في الحروب النظامية التقليدية، يكون الهدف الأساسي هو تحقيق الحسم العسكري عبر السيطرة على الأرض وتدمير القدرات العسكرية للخصم وفرض وقائع سياسية جديدة بالقوة.
أما في الحروب اللامتماثلة، فإن الطرف الأضعف لا يسعى بالضرورة إلى انتصار عسكري مباشر بالمعنى الكلاسيكي، بل يركّز على إدارة الصراع بطريقة تقوم على الاستنزاف ورفع الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية والنفسية على الطرف الأقوى.
من هنا، فإن معيار النجاح أو الفشل يرتبط بمدى قدرة كل طرف على تحمّل كلفة الصراع مقارنة بالعائد الاستراتيجي المتوقع منه.
لقد شهد التاريخ الحديث نماذج متعددة لهذا النوع من الحروب. ففي حرب فيتنام، امتلكت الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا هائلًا، لكنها واجهت صعوبة في تحويل هذا التفوق إلى حسم سياسي نهائي، مع تصاعد كلفة الحرب البشرية والاقتصادية والسياسية داخليًا.
في أفغانستان، سواء خلال الحرب السوفياتية في الثمانينيات أو التدخل الأميركي بعد عام 2001، تكررت معضلة الاستنزاف الطويل، حيث لم يكن الطرف الأضعف قادرًا على تدمير خصمه عسكريًا، لكنه نجح في إطالة أمد النزاع إلى حد أصبحت معه كلفة الاستمرار موضع نقاش داخلي لدى القوى الكبرى نفسها.
كما تختلف طبيعة الأدوات والأساليب المستخدمة في هذا النوع من الحروب. فالحروب اللامتماثلة تعتمد عادةً على تكتيكات مرنة وغير تقليدية، مثل عمليات الكرّ والفرّ Hit-and-Run Tactics، وتجنّب التمركز الثابت، وإدارة الاشتباك ضمن إيقاع يسمح بالحفاظ على القدرة القتالية لأطول فترة ممكنة.
في المقابل، يميل الطرف الأقوى إلى استخدام التفوق الجوي والاستخباري والتكنولوجي بهدف تقليص خسائره البشرية وتعويض صعوبة الحسم البري السريع. إلا أنّ هذا التفوق لا يضمن دائمًا تحقيق الأهداف السياسية النهائية، إذ قد يتحول الصراع تدريجيًا إلى معادلة استنزاف متبادل Mutual Attrition حتى وإن كانت الأكلاف البشرية والمادية غير متكافئة بين الطرفين.
غير ان التفوق التكنولوجي لم يعد حكرًا على الجيوش الكبرى، بل باتت جهات غير نظامية قادرة على توظيف تقنيات منخفضة الكلفة نسبيًا لتحقيق تأثيرات ميدانية وعملياتية ملموسة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك استخدام المسيّرات الموجّهة عبر الألياف البصرية، وتُظهر هذه الظاهرة كيف ساهم الانخفاض الكبير في كلفة التقنيات التجارية Commercial Off-The-Shelf Technologies وتوافرها عالميًا في إعادة تشكيل طبيعة النزاعات الحديثة، بحيث أصبح بالإمكان تحقيق مكاسب ميدانية مؤثرة بأدوات أقل كلفة بكثير من منظومات التسليح التقليدية الباهظة. كما يعكس ذلك تحوّل التكنولوجيا ذاتها إلى عنصر من عناصر حرب الاستنزاف لجهة القدرة على توظيف أدوات تقنية مرنة ومنخفضة الكلفة بطريقة تفرض استنزافًا متواصلًا على الخصم وتحدّ من فعالية تفوقه التكنولوجي التقليدي.

الا أنّ هذا المسار ليس أحادي الاتجاه، إذ إنّ الحروب اللامتماثلة لا تنتهي دائمًا بعجز الطرف الأقوى عن تحقيق أهدافه، بل قد تنتهي أيضًا بإنهاك الطرف الأضعف نفسه أو بانهيار بيئته الحاضنة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا (نمور التاميل في سريلانكا، وحركة الدرب المضيء في البيرو، وغيرها).
فقد أظهرت تجارب عديدة أنّ القدرة على الصمود ترتبط بقدرة المجتمع والدولة على تحمّل الكلفة المستمرة للحرب. وفي بعض الحالات، قد يتمكن طرف مسلح من الحفاظ على قدرته القتالية، فيما تكون البنية الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به قد دخلت في مرحلة إنهاك عميق تؤثر على الاستقرار الداخلي وعلى شرعية استمرار النزاع نفسه.
في هذا الإطار، يبرز نقاش داخلي لبناني يتعلق بطبيعة الخطاب الرسمي والإعلامي المرافق للحرب الاسرائيلية على لبنان، ومدى انسجامه مع منطق إدارة صراع استنزاف طويل مع إسرائيل.
فمن منظور الحروب اللامتماثلة وحروب الاستنزاف تفرض المواجهة تماسك الجبهة الداخلية والقدرة على احتضان البيئة الاجتماعية المتضررة من الحرب ومنع تفككها سياسيًا ونفسيًا.
الخطاب الرسمي اللبناني
وعليه، يمكن القول إنّ الخطاب الرسمي اللبناني، إلى جانب مقاربات جزء كبير من وسائل الإعلام على اختلاف توجهاتها، كان يُفترض أن يركّز بصورة أكبر على تعزيز التضامن الوطني مع البيئة الحاضنة للمقاومة بوصفها جزءًا من النسيج اللبناني المتعرض للعدوان الاسرائيلي، بدل مقاربة الصراع أحيانًا باعتباره نزاعًا داخليًا بين مكوّنات لبنانية متعارضة.
في نهاية المطاف، وبغضّ النظر عن الانقسامات السياسية والمواقف المختلفة من سلاح المقاومة ودورها، فإنّ واقع الحرب الميداني يضع المواجهة ضمن إطار صراع بين إسرائيل ولبنان كدولة ومجتمع وبنية تحتية، لا ضمن إطار مواجهة بين أطراف لبنانية منفصلة.
من هنا، فإن إدارة الخطاب العام خلال الحروب تصبح عنصرًا استراتيجيًا بحد ذاته، لأنّ إضعاف البيئة الداخلية أو تعميق الانقسامات المجتمعية قد يتحول، في سياق حروب الاستنزاف الطويلة، إلى عامل يسرّع إنهاك الدولة والمجتمع معًا، بصرف النظر عن موازين القوى العسكرية المباشرة.

في الختام، تُظهر تجارب النزاعات الطويلة أنّ الحروب اللامتماثلة تنتهي غالبًا عندما تصل الأطراف إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار تفوق إمكانات الحسم. عندها يصبح السلام خيارًا عقلانيًا، شرط أن يكون سلامًا متوازنًا لا مرادفًا للاستسلام. فالتسويات التي تُبنى على الاعتراف المتبادل والحد الأدنى من العدالة والاستقرار تكون أكثر قابلية للاستمرار من تلك التي تُفرض باعتبارها نتيجة مباشرة لاختلال القوة العسكرية أو إنهاك المجتمعات.
*ماجستير في إدارة الشؤون الدولية والدبلوماسية
نبض