فيروز… استثناء الزمن
يقف كجنديٍّ عند حدود الذاكرة، حارساً لصوتٍ صار علماً، وصلاةً، واسم وطن.
ريمي الحويّك
في الخامس عشر من أيّار، لا يمرّ الوقت بل يقف
يقف كجنديٍّ عند حدود الذاكرة، حارساً لصوتٍ صار علماً، وصلاةً، واسم وطن.
في مثل هذا اليوم من عام 1999، لم تعتَلِ فيروز مسرحاً في لاس فيغاس، بل اعتلى لبنان قلب العالم، وارتفعت معه أمّةٌ من الحنين.
هناك، في صحراءٍ لا تعرف الزيتون، ولا تحفظ أسماء القرى، انبثق صوت فيروز كجرس كنيسةٍ في فجرٍ لبناني، لم تكن تغنّي، كانت تعيد إلينا أنفسنا، كانت تجمع شتاتنا كمن يجمع تراب الوطن قبضةً قبضة.
في تلك الليلة، لم تكن المسافات خطوطاً على خريطة، بل جروحاً التأمت.
في تلك الأمسية، بيروت لم تُذكر، بل حضرت، بشرفاتها، بحزنها الجميل، بعنادها الذي لا ينكسر، بأرزها وموجها وجبالها، وبكلّ حجرٍ في لبنان، كان له صوتٌ في حنجرتها.
في الخامس عشر من أيّار، لم تغنِّ فيروز للناس،
بل حملتهم، حملت لبنان كما تُحمل الصلاة في الرجاء، كما يُحمل الشهداء في ذاكرة الأرض، كما يُحمل القلب بين الضلوع، وكما يُحمل الصليب على الصدور.
جعلت الغربة خجلاً، والبعد انحناءة، جعلت من كلّ مغتربٍ عائداً، ولو لبرهة.
علّمتنا أن الوطن ليس حدوداً، بل نبضاً، إذا خفق في صوتها، عاد حيّاً فينا.
ومنذ ذلك المساء، لم يعد 15 أيّار تاريخاً، بل صار قسماً ووعداً أن يبقى لبنان، مهما انكسر، واقفاً في صوتها، راسخاً كالأرز، وعصيّاً على النسيان.
في الخامس عشر من أيّار كل عام، في قلب صحراء موهافي، في أقصى جنوب ولاية نيفادا، تحتفل لاس فيغاس بيوم اسمُه فيروز.
وفي الضفّة الأخرى من الحنين، في لبنان، على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط، في قلب الشرق، لا نحتاج إلى يومٍ لنحتفل بكِ… فأنتِ لنا لست بذكرى، ولا مناسبة. أنتِ الفجر، حين يُولد الضوء على مهل، وأنتِ الليل، حين تُضيئي العتمة بصوتك. أنتِ في كلّ صباحٍ يُفتَح على رجاء، وفي كلّ مساءٍ يُغلَق على حنين.
هناك، في لاس فيغاس، لهم يومٌ لفيروز.
وهنا، في لبنان، أنتِ لنا العامُ كلّه، والعمرُ كلّه، والزمنُ كلّه، أنتِ لنا تاريخٌ وحاضرٌ وأبدٌ.
فيروز لنا، عمرٌ لا ينتهي... كلّما غنّت.... ابتدأ.
فيروز لنا، وطنٌ لا يسقط... كلّما غنّت.... قام.
نبض