مأزق الثلاثية المستحيلة: التثبيت القهري بين مطرقة استنزاف الاحتياطي وسندان الهيمنة المالية
د. بيار الخوري*
تشكل المرحلة الراهنة في لبنان مختبراً اقتصادياً مفتوحاً للمفاهيم النقدية الكلاسيكية والحديثة، حيث يتقاطع بيان مصرف لبنان الأخير (تاريخ السادس من ايار الحالي) مع نظريات كبار الاقتصاديين الدوليين لرسم مشهد معقد يوازن فيه المصرف بين "القدرة التقنية" وبين "الاستنزاف الموضوعي". يمكن قراءة هذا المشهد المنسجم من خلال دمج الوقائع النقدية الحالية مع الأطر النظرية التي تفسر سلوك العملات في الأزمات.
وفقاً لمبدأ "الثلاثية المستحيلة" (Impossible Trinity) الذي صاغه الاقتصادي روبرت مونديل (Robert Mundell)، يجد مصرف لبنان نفسه أمام خيارات قاسية. فبينما يضحي باستقلالية السياسة النقدية (عبر التشدد في ضبط السيولة) وبحرية حركة رأس المال، فإنه يضع كل ثقله خلف هدف "استقرار سعر الصرف".
يشير بيان المصرف إلى أن هذا الاستقرار كلف تراجعاً في الموجودات بقيمة 516 مليون دولار في ثلاثة أشهر نتيجة "عوامل جيوسياسية" وزيادة مدفوعات القطاع العام (التعميمان 158 و166). هذا المسار يثبت ما سماه مونديل بضرورة التضحية بضلع لحماية الآخر؛ لكن التضحية هنا تتم من "لحم" الاحتياطيات الأجنبية، مما يجعل الاستقرار الحالي استقراراً مكلفاً وليس ناتجاً عن توازن اقتصادي طبيعي.
تبرز هنا نقطة قوة تقنية يشير إليها الواقع النقدي؛ إذ إن النقد المتداول بالليرة في السوق تم تقليصها لتصبح في حدود توازي قيمتها نحو 600 مليون دولار أميركي فقط. هذا الرقم الضئيل مقارنة باحتياطيات تفوق الـ 11 مليار دولار يمنح المصرف "مساحة مناورة" واسعة جداً من الناحية الحسابية.
بناءً على وجهة نظر ميلتون فريدمان (Milton Friedman) حول السيطرة على العرض النقدي، فإن المصرف المركزي يمتلك حالياً القدرة على "تغطية" كامل الكتلة النقدية بالليرة عدة مرات، مما يمنع حدوث انهيار ارتطامي سريع. ومع ذلك، يحذر فريدمان من أن "التثبيت القهري" عبر تجميد الكتلة النقدية هو علاج للأعراض وليس للمرض، حيث تظل "تكلفة الفرصة البديلة" لهذا التثبيت هي استنزاف العملة الصعبة التي كان يمكن أن تكون رافعة للنمو لا مجرد أداة لإطفاء الحرائق الاجتماعية.

رغم "وسادة الأمان" التي توفرها ضآلة الكتلة النقدية بالليرة، إلا أن قاعدة التحليل لا تتغير عند استحضار نموذج بول كروغمان (Paul Krugman) للهجمات المضاربية. يجادل كروغمان بأن الهجوم على العملة لا ينتظر نفاد الأموال بالكامل، بل يبدأ بمجرد أن "تتوقع" الأسواق أن مسار الاحتياطيات هو نحو التناقص المستمر.
إن تراجع الـ 516 مليون دولار الذي وصفه المصرف بالـ "ظرفي" يضع المصداقية النقدية على المحك. فإذا استنتج الفاعلون الاقتصاديون أن العوامل الجيوسياسية ستستمر في استنزاف الاحتياطي، فإن الـ 600 مليون دولار (الكتلة النقدية الحالية) لن تبقى هي المعيار؛ بل ستتحول أصول أخرى إلى طلب على الدولار، مما يخلق ضغطاً يفوق القدرة الحسابية للمصرف على التدخل، ويؤدي إلى "انفلات" تفرضه التوقعات قبل أن تفرضه الأرقام.
وفق توماس سارجنت (Thomas Sargent)، الحائز على نوبل لبحوثه في "التوقعات العقلانية"، أن الجمهور لا يتفاعل مع الوضع الحالي فقط، بل مع المسار المستقبلي المتوقع للسياسات. وتاليا عندما يشير بيان المصرف إلى أن الاستقرار مرتبط بعوامل "خارجة عن إرادته"، فإنه يقر ضمناً بأن "السيادة النقدية" معطلة بانتظار الحلول السياسية.
هذا المسار يؤدي إلى ما يسميه سارجنت بـ"الهيمنة المالية" (Fiscal Dominance)، حيث تُسخّر الاحتياطيات النقدية لتغطية التزامات الدولة والضغوط الاجتماعية. في هذه الحالة، يصبح ضبط الكتلة النقدية عند 600 مليون دولار مجرد "تكتيك لشراء الوقت". فإذا لم يقترن هذا الضبط بإصلاحات هيكلية تعيد تدفق العملة الصعبة، فإن الجمهور سيتوقع حتماً لحظة "نفاد الذخيرة"، وهو ما يعجل بالانفلات النقدي مهما بلغت دقة الإجراءات التقنية الحالية.
إن دمج هذه المقاربات يظهر أن مصرف لبنان يعيش حالة من "الاستقرار المدعوم بالاحتياطي"؛ ضآلة الكتلة النقدية بالليرة تمنحه "نفساً طويلاً" وتجعل الانفلات الفوري أمراً مستبعداً من الناحية الحسابية البحتة. ولكن، وكما تعلمنا نظريات كروغمان وسارجنت وفريدمان، فإن الثقة هي المحرك الحقيقي للعملة.
إن "التثبيت القهري" هو رهان على الزمن؛ فإما أن تنجح السلطة السياسية في استثمار هذا الهامش الزمني المريح تقنياً لتحقيق انفراجة جيوسياسية وإصلاحية، أو أن استمرار "الاستنزاف الظرفي" سيصل بالاحتياطيات إلى "نقطة التحول" التي ينهار عندها مفعول الـ 600 مليون دولار أمام ضغط الحاجة للتحوط بالدولار، مما يفتح الباب أمام انفلات سعر الصرف كتحصيل حاصل لنضوب الأدوات الدفاعية.
* كاتب في الاقتصاد السياسي
نبض