منبر
12-05-2026 | 12:35
عندما يتحول الخلاف محصولا للأرض
إجتمعت العائلة للمرة الأولى فوق قطعة الأرض.
كانت الأرض واسعة ممتدة لا أحد يعرف تماماً أين تبدأ ولا أين تنتهي؟
كانت الأرض واسعة ممتدة لا أحد يعرف تماماً أين تبدأ ولا أين تنتهي؟
تعبيرية
ميرنا بشارة
إجتمعت العائلة للمرة الأولى فوق قطعة الأرض.
كانت الأرض واسعة ممتدة لا أحد يعرف تماماً أين تبدأ ولا أين تنتهي؟
بعضها تراب أحمر وبعضها حجارة، وفي زاويتها الشمالية شجرة تين هرمة لا تُثمر إلا قليلاً لكنها بقيت واقفة كأنها شاهدة على كل الذين مروا من هنا ثم اختفوا.
وقف خليل في الوسط شبك يديه خلف ظهره وقال:
قبل أي شيء لازم نعرف إذا الأرض بتنزرع.
هزّ أسعد رأسه موافقاً وأضاف بحماسة الشباب:
وإذا بتنزرع شو الأفضل؟ زيتون؟ كرمة؟ زراعة موسمية؟ لازم نفهم طبيعتها بالأول.
لكن أبو خليل الذي كان يحمل ملفاً سميكاً من الأوراق الصفراء قاطعهما بعصبية: الأرض ما بتنفع بلا حدود واضحة. قبل الزرع وقبل الشجر وقبل الأحلام لازم نعرف وين بتبلش ووين بتنتهي؟
رفعت أم خليل طرف عباءتها عن التراب وجلست على حجر قربهم وقالت بهدوء: منجيب إفادات من الدوائر العقارية كل شي مكتوب بالأوراق.
إبتسم نبيل بسخرية: وكأنو الورق بيحمي أرض.
أما محمود إبن العم الذي عاد قبل أشهر من المدينة فكان لديه رأي آخر تماماً.
نظر إلى المساحة الطويلة الممتدة أمامه وقال: مين قال أصلاً لازم نزرعها؟ هيدي الأرض موقعها ممتاز فينا نبني عليها مجمعات أو مولات أو منتجع سياحي، الناس ما عاد بدها أرض الناس بدها باطون.
تبدّل وجه خليل كأن أحدهم شتم شيئاً مقدساً، بينما بقي إلياس صامتاً يراقب الجميع يحفر بعصاه خطوطاً عشوائية في التراب.
انتهى الاجتماع الأول بلا نتيجة.
عاد كل فرد إلى بيته مقتنعاً بأن الآخرين لا يفهمون شيئاً.
بعد أسابيع اجتمعوا من جديد. هذه المرة حضر الجميع محملين بالأفكار والخرائط والنظريات.
كانت مروى تحمل دفتر ملاحظات كبيراً دونت فيه آراء أستاذتها في الجامعة، وقالت بجدية: قبل ما نقرر شو بدنا نعمل بالأرض لازم نعرف مين نحنا كم واحد بالعيلة؟ أعمارنا؟ شو اختصاصاتنا؟ مين بقي هون ومين هاجر؟ مين عنده قدرة يدير؟ مين عنده استعداد يعيش بالأرض؟
فقاطعتها علا بسرعة: ...وحتى لازم نعرف الناس بشو بتؤمن لأن طريقة العيش بتغير شكل المكان.
ضحك جميل باستهزاء: يعني الأرض رح تسألنا إذا منصلي قبل ما تعطينا؟
لكن ماريا أومأت موافقة وقالت: الإنسان بيبني المكان على صورته، إذا نحنا مختلفين بكل شي فكيف بدنا نتفق على الأرض؟
وهنا تدخل نبيل الطويل القامة الذي كان يعتقد أن طوله يمنحه نوعاً من الهيبة، وقال: كل هالحكي تفاصيل المهم مين عنده قدرة يفرض قراره عالكل؟ الأرض بدها ناس أقوياء وأنا برأيي أول شي لازم نعمله سور عالي كتير حولها.
سألته لمى: سور ليحمينا من مين؟
أجابها فوراً: من الكل.
ساد الصمت.
في الاجتماع الثالث أحضروا معهم خبراء،
رجل يعرف بالقانون وآخر بالزراعة وثالث يشرح لهم نظريات غريبة عن (صفات القادة الطبيعيين) وعلاقة طول القامة بالسلطة.
جلست مايا تراقب المشهد، شعرت أن الأرض نفسها صارت تتفرج عليهم مثل أم عجوز تسمع أبناءها يتقاتلون على إرثٍ لم يعرفوا يوماً كيف يحافظون عليه.
وفي تلك المرة حضر الجد أيضاً. وصل متكئاً على عصاه ترافقه أخته العجوز ميرفت التي كانت تحفظ حكايات الارض أكثر مما تحفظ أسماء أحفادها.
جلس الجد على كرسي خشبي قديم وحدق طويلاً في الأرض قبل أن يتكلم: مرقت حضارات كتيرة من هون ناس زرعت وناس حرقت وناس بنت وناس تهجرت، وكل مرة كانوا يعتقدوا إنن رح يبقوا للأبد.
صمت قليلاً ثم أكمل: المشكلة مش بالأرض المشكلة بأصحابها.
تابع الجد: وفي شغلة تانية، جيرانكن مستوليين على طرف من الأرض، إذا ما كنتوا أقوياء رح تاخدوا الخطابات وتتركوا الأرض.
عندها اشتعل النقاش من جديد.
صاروا يتجادلون حول من يتولى الجزء الحدودي ومن يشرف على البئر ومن يفاوض الجيران ومن يقرر شكل المستقبل.
محمود يريد مشروعاً ضخماً.
خليل يريد حقولاً.
نبيل يريد سوراً.
علا تريد هوية واضحة للعائلة.
أسعد يريد أن يسافر ويتعلم ثم يعود.
وجميل كان يريد فقط أن ينتصر رأيه أياً يكن الرأي.
أما الأرض فبقيت كما هي: لا مزروعة ولا مبنية
ولا محمية، فقط عائلة تجتمع فوقها منذ سنوات طوال
تختلف أكثر مما تتفق، وتورث أبناءها النقاش نفسه،
كما لو أن الخلاف صار هو المحصول الوحيد الذي نجحوا فعلاً بزراعته.
إجتمعت العائلة للمرة الأولى فوق قطعة الأرض.
كانت الأرض واسعة ممتدة لا أحد يعرف تماماً أين تبدأ ولا أين تنتهي؟
بعضها تراب أحمر وبعضها حجارة، وفي زاويتها الشمالية شجرة تين هرمة لا تُثمر إلا قليلاً لكنها بقيت واقفة كأنها شاهدة على كل الذين مروا من هنا ثم اختفوا.
وقف خليل في الوسط شبك يديه خلف ظهره وقال:
قبل أي شيء لازم نعرف إذا الأرض بتنزرع.
هزّ أسعد رأسه موافقاً وأضاف بحماسة الشباب:
وإذا بتنزرع شو الأفضل؟ زيتون؟ كرمة؟ زراعة موسمية؟ لازم نفهم طبيعتها بالأول.
لكن أبو خليل الذي كان يحمل ملفاً سميكاً من الأوراق الصفراء قاطعهما بعصبية: الأرض ما بتنفع بلا حدود واضحة. قبل الزرع وقبل الشجر وقبل الأحلام لازم نعرف وين بتبلش ووين بتنتهي؟
رفعت أم خليل طرف عباءتها عن التراب وجلست على حجر قربهم وقالت بهدوء: منجيب إفادات من الدوائر العقارية كل شي مكتوب بالأوراق.
إبتسم نبيل بسخرية: وكأنو الورق بيحمي أرض.
أما محمود إبن العم الذي عاد قبل أشهر من المدينة فكان لديه رأي آخر تماماً.
نظر إلى المساحة الطويلة الممتدة أمامه وقال: مين قال أصلاً لازم نزرعها؟ هيدي الأرض موقعها ممتاز فينا نبني عليها مجمعات أو مولات أو منتجع سياحي، الناس ما عاد بدها أرض الناس بدها باطون.
تبدّل وجه خليل كأن أحدهم شتم شيئاً مقدساً، بينما بقي إلياس صامتاً يراقب الجميع يحفر بعصاه خطوطاً عشوائية في التراب.
انتهى الاجتماع الأول بلا نتيجة.
عاد كل فرد إلى بيته مقتنعاً بأن الآخرين لا يفهمون شيئاً.
بعد أسابيع اجتمعوا من جديد. هذه المرة حضر الجميع محملين بالأفكار والخرائط والنظريات.
كانت مروى تحمل دفتر ملاحظات كبيراً دونت فيه آراء أستاذتها في الجامعة، وقالت بجدية: قبل ما نقرر شو بدنا نعمل بالأرض لازم نعرف مين نحنا كم واحد بالعيلة؟ أعمارنا؟ شو اختصاصاتنا؟ مين بقي هون ومين هاجر؟ مين عنده قدرة يدير؟ مين عنده استعداد يعيش بالأرض؟
فقاطعتها علا بسرعة: ...وحتى لازم نعرف الناس بشو بتؤمن لأن طريقة العيش بتغير شكل المكان.
ضحك جميل باستهزاء: يعني الأرض رح تسألنا إذا منصلي قبل ما تعطينا؟
لكن ماريا أومأت موافقة وقالت: الإنسان بيبني المكان على صورته، إذا نحنا مختلفين بكل شي فكيف بدنا نتفق على الأرض؟
وهنا تدخل نبيل الطويل القامة الذي كان يعتقد أن طوله يمنحه نوعاً من الهيبة، وقال: كل هالحكي تفاصيل المهم مين عنده قدرة يفرض قراره عالكل؟ الأرض بدها ناس أقوياء وأنا برأيي أول شي لازم نعمله سور عالي كتير حولها.
سألته لمى: سور ليحمينا من مين؟
أجابها فوراً: من الكل.
ساد الصمت.
في الاجتماع الثالث أحضروا معهم خبراء،
رجل يعرف بالقانون وآخر بالزراعة وثالث يشرح لهم نظريات غريبة عن (صفات القادة الطبيعيين) وعلاقة طول القامة بالسلطة.
جلست مايا تراقب المشهد، شعرت أن الأرض نفسها صارت تتفرج عليهم مثل أم عجوز تسمع أبناءها يتقاتلون على إرثٍ لم يعرفوا يوماً كيف يحافظون عليه.
وفي تلك المرة حضر الجد أيضاً. وصل متكئاً على عصاه ترافقه أخته العجوز ميرفت التي كانت تحفظ حكايات الارض أكثر مما تحفظ أسماء أحفادها.
جلس الجد على كرسي خشبي قديم وحدق طويلاً في الأرض قبل أن يتكلم: مرقت حضارات كتيرة من هون ناس زرعت وناس حرقت وناس بنت وناس تهجرت، وكل مرة كانوا يعتقدوا إنن رح يبقوا للأبد.
صمت قليلاً ثم أكمل: المشكلة مش بالأرض المشكلة بأصحابها.
تابع الجد: وفي شغلة تانية، جيرانكن مستوليين على طرف من الأرض، إذا ما كنتوا أقوياء رح تاخدوا الخطابات وتتركوا الأرض.
عندها اشتعل النقاش من جديد.
صاروا يتجادلون حول من يتولى الجزء الحدودي ومن يشرف على البئر ومن يفاوض الجيران ومن يقرر شكل المستقبل.
محمود يريد مشروعاً ضخماً.
خليل يريد حقولاً.
نبيل يريد سوراً.
علا تريد هوية واضحة للعائلة.
أسعد يريد أن يسافر ويتعلم ثم يعود.
وجميل كان يريد فقط أن ينتصر رأيه أياً يكن الرأي.
أما الأرض فبقيت كما هي: لا مزروعة ولا مبنية
ولا محمية، فقط عائلة تجتمع فوقها منذ سنوات طوال
تختلف أكثر مما تتفق، وتورث أبناءها النقاش نفسه،
كما لو أن الخلاف صار هو المحصول الوحيد الذي نجحوا فعلاً بزراعته.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كتاب النهار
5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
كتاب النهار
5/11/2026 5:00:00 AM
يذهب وفد لبنان "للتفاوض" وسط سؤال "كارثي" صار يختصر كل تداعيات الحروب المتعاقبة على لبنان منذ "تحرير " عام 2000 حتى اللحظة التي سيجلس فيها الوفد في مواجهة الإسرائيليين، وهو أي ضمانة لقدرة الدولة اللبنانية على نزع سلاح "حزب الله"؟
لبنان
5/11/2026 5:34:00 AM
يمكن التوصل بين الرئيسين عون وبري إلى أرضيةٍ مشتركة حول البنود المرجعية، بعد إعلان رئيس الجمهورية أن هدفه "إنهاء الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة".
لبنان
5/11/2026 1:32:00 PM
بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للإستفادة من التعميمين الأساسيين الرقم 158 و 166 حتى تاريخ تقديم هذا البيان 610,624 طلباً...
نبض