نسبية الحرية والقيم الأخلاقية
ريمون مرهج
في حياتنا على هذه الأرض وعلى مر التاريخ تبقى الحرية والقيم الإنسانية مرهونة بالسلطة والمال. تنبت من بين أشواك النافذين المهيمنين على القرار فيرتدون عباءة العدالة والحق وينثرون في الظلمة ما يدر على مصالحهم المنفعة الخاصة.
للوهلة الأولى تراهم رسل القيم وحراس العدل، وحينما تتصفح ماضيهم وخبايا جنيهم للاموال الطائلة تكتشف أسرار ثروتهم والتي، وإن بحت بها للعلن، سيكذبون ويتهمونك بالمتعجرف السافل الذي لا يفقه أي أمر سوى اختلاق الروايات على المجتمع. وسينبري كثيرون من أتباعهم والطفيليين الذي يحيون على ريائهم ليمطروك بآلاف الإهانات والسباب فقط لأن رأيك مغاير لرأي زعيمهم.
كذلك الدول التي ترفع راية الديموقراطية وحقوق الإنسان وتبث أفكارها ومبادئها في دول العالم الثالث كما يسمونها، لتتباهى بالتقدم والتطور وأنها هي الحق والحقيقة والحضارة الصحيحة التي يجب أن تقتدي بها الشعوب الفقيرة، ثم ترتكب المجازر وتصنع الحروب بذريعة الدفاع عن الإنسان وحريته، ويتبين أنها تغتال ملايين البشر وتغتصب حقوقهم لأجل أهدافها ومصالحها، فتبرر قتل الأطفال والنساء وتفتعل التهم لكي تبيد شعوب بكاملها وتسيطر على موارد تلك البلاد وثرواتها. نعم الحرية والقيم الأخلاقية هي نسبية بل تكاد أن تكون منعدمة في هذه الأرض. وكل ما يلقنونه للتلامذة في المدارس مجرد عبارات واهية لا تمت إلى واقع عالمنا بصلة.
الأخلاق والمبادئ الصالحة تزهر في القلوب الطيبة وتنمو مع أصحاب الأرواح المستقيمة لتغدو رحيقاً جميلاً للخير في مجتمعنا، ولكن حريتهم وأفكارهم تصطدم بأناس نافذين متسلطين يخلقون وضعاً صعباً عليهم يجعلهم ينصاعون لهم ولغايتهم فينكسرون ويستسلمون لشبح اليأس المسمى "الواقع".
الأكثرية الساحقة تقبل الإذعان لهم مكتفية بالعيش البسيط وراضيية بما فُرض عليها، ومقتنعة بالفُتات الفكري والمادي الذي يتساقط من مائدة المتسلطين في هذا العالم. لا تأبه إن كان الرجل النافذ على حق أو عادل المهم أنها تحيا في ظلاله ولتذهب المبادئ والقيم وأحلام الغد إلى الجحيم، فالبقاء على قيد الحياة أكثر أهمية من الحرية والإنسانية.
ليس في الأرض عدل وحقوق ولا فيها استقلال وإبداع للأفكار، ولا فيها تحرر وخيار ولا إحترام للإنسان وكيانه، إنما أحلام وأمنيات لا نشعر بوجودها إلا مع الخالق رب العالمين فقط.
نبض