زيارة ترامب للصين: تحليل سيناريوهات اقتصادية
ميلاد رفقا- باحث في الاقتصاد
زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المرتقبة إلى بكين، الأربعاء 13 أيار 2026، تأتي في سياق اقتصادي، إذ تسعى كلتا القوتين العظميين إلى إعادة ترتيب أوراقهما الاقتصادية والسياسية. تهدف هذه الزيارة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، مع التركيز على قضايا التجارة والاستثمار، بالإضافة إلى معالجة التوترات القائمة في مجالات مثل التكنولوجيا والأمن. سيتناول هذا التحليل (سيناريو) المعمق الأجندة الاقتصادية للزيارة، وتأثيراتها المحتملة على الأسواق المالية، وسياق الحرب التجارية بين البلدين.
الأجندة الاقتصادية والاتفاقات الرئيسية:
تتضمن الأجندة الاقتصادية لزيارة ترامب للصين محاور رئيسية عدة تهدف إلى تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين. من أبرز هذه المحاور المقترح بإنشاء "مجلس مشترك للتجارة والاستثمار"، والذي يهدف إلى توفير منتدى لتسهيل الحوار والتعاون في هذه المجالات.
تتركز المناقشات حول التزامات شراء محتملة من الجانب الصيني، تشمل قطاعات حيوية مثل الطيران والزراعة والطاقة. على سبيل المثال، هناك حديث عن صفقة ضخمة محتملة لشراء ما يصل إلى 500 طائرة من شركة بوينغ الأميركية، مما يمثل فرصة كبيرة لعودة بوينغ بقوةٍ إلى السوق الصينية بعد مرحلة من التوترات التجارية. كما تشمل الالتزامات الصينية شراء منتجات زراعية أميركية، ولاسيما منها فول الصويا، في إطار محاولات تحقيق توازنٍ أكبر في الميزان التجاري.
وفي ما يتعلق بقطاع المعادن الأرضية النادرة، لا تزال اتفاقية "الهدنة" التي تم التوصل إليها في تشرين الأول 2025 سارية المفعول. بموجب هذه الاتفاقية، خففت واشنطن بعض التعريفات الجمركية، في مقابل استئناف الصين صادرات المعادن الأرضية وتوريد الصويا. ومع ذلك، فإن الصين لا تزال تتمتع بنفوذ كبير في هذا القطاع، وقد استخدمت قيود التصدير في الماضي ورقة ضغط اقتصادية.
من جانب آخر، تشمل الأجندة الاقتصادية نقاشات حول دخول شركات السيارات الكهربائية الصينية، مثل BYD، إلى السوق الأميركية. هذه القضية تثير مخاوف المشرعين الأميركيين بشأن المنافسة المحتملة للقطاع الصناعي المحلي.
كيف تؤثر على الأسواق المالية؟
الأسواق المالية العالمية تتعامل بحذر مع أنباء زيارة ترامب للصين، حيث تحمل الزيارة في طياتها فرصاً ومخاطر. بالنسبة للأسهم الأميركية، هناك توقعات إيجابية لقطاعات معينة مثل الطيران (ربما بفضل صفقة بوينغ المحتملة)، والزراعة، والطاقة، والتي قد تستفيد من زيادة الطلب الصيني.
أما الأسهم الصينية، فتظهر تذبذباً وميلاً للحذر. وفقاً لـ(تحليل مورغان ستانلي)، يتوقع أن تشهد الأسهم الصينية خفضاً بنسبة تصل إلى 10% في حال تأجيل القمة أو فشلها في تحقيق نتائج ملموسة، بينما قد ترتفع بنسبة 5% في حال تحقيق استقرار في العلاقات التجارية.
في سوق العملات، يشير تحليل غولدمان ساكس إلى أن اليوان الصيني مقوّم بأقل من قيمته الحقيقية بنسبة 20% في مقابل الدولار الأميركي. ومع ذلك، يتوقع بنك أوف أميركا (BofA) قوة طفيفة لليوان بعد القمة، مدفوعاً بأي مؤشرات إيجابية لتحسين العلاقات التجارية.
الزيارة في سياق الحرب التجارية (2025-2026)
في الحقيقة تأتي هذه الزيارة في أعقاب مرحلة من التوترات التجارية الشديدة بين الولايات المتحدة والصين، والتي تصاعدت بشكل كبير في عام 2025. في بداية ذلك العام، قام ترامب برفع التعريفات الجمركية على الواردات الصينية بمقدار 145 نقطة مئوية بحلول نسانإبريل، مما أدى إلى انخفاض حاد في الواردات الأميركية من الصين بنسبة 50% بحلول حزيرانيونيو 2025.
ردت الصين على هذه الإجراءات بتقييد صادراتها من المعادن الأرضية وأشباه الموصلات، وهي مواد حيوية للعديد من الصناعات الأميركية، مما هدّد بتعطيل صناعة السيارات الأميركية بشكل خاص.
في تشرين الأولأكتوبر 2025، تم التوصل إلى "هدنة" تجارية خففت من حدة التوترات وسمحت باستئناف بعض التدفقات التجارية. تسعى زيارة ترامب الحالية إلى تعزيز هذه الهدنة وتحويلها إلى اتفاقات أكثر استدامة.
كانت إحدى النتائج الرئيسية للحرب التجارية تحول سلاسل التوريد العالمية. انخفضت حصة الصين من الواردات الأميركية بشكل ملحوظ، من 22% قبل عام 2018 إلى 9% بنهاية عام 2025، مع انتقال العديد من الشركات إلى دول بديلة مثل فيتنام وتايوان والمكسيك لتنويع مصادرها. القطاعات الأكثر تأثراً بهذه التحولات شملت صناعة السيارات، والتكنولوجيا (وخصوصاً مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي)، والطيران.
التوقعات
من المرجح أن تسعى الزيارة إلى تحقيق توازنٍ دقيق بين المصالح الاقتصادية المشتركة والمخاوف الأمنية والسياسية المتضاربة. قد تؤدي أي اتفاقات تجارية إلى استقرار موقت في الأسواق، خصوصاً في قطاعات مثل الطيران والزراعة، ولكن التوترات الأساسية حول قضايا مثل تايوان والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد ستظل تشكل تحديات طويلة الأمد. ستكون قدرة القادة على إدارة هذه التعقيدات هي المفتاح لتحديد مدى نجاح هذه الزيارة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية في المستقبل المنظور.
نبض