لبنان يحتاج إلى عوائد للسّلام
سمارة القزّي
يحاول لبنان اليوم مناقشة السلام فيما يعيش واحداً من أسوأ الانهيارات الاقتصادية في التاريخ المالي الحديث. وبعد ست سنوات على التخلّف عن سداد الدين السيادي عام 2020، لا يزال البلد عالقاً في حالة شلل كامل. فما يقارب 80 مليار دولار من أموال المودعين لا تزال عملياً محتجزة داخل النظام المصرفي وفي مصرف لبنان، بينما يعيش اللبنانيون على آليات سحب مجتزأة لا تتجاوز في كثير من الأحيان ألف دولار شهرياً من مدخراتهم الخاصة. لقد تبخّرت ثروات عمرٍ بأكملها داخل فراغ مالي غامض.
وما يجعل الوضع أكثر خطورة ليس الانهيار بحد ذاته فحسب، بل غياب أي خطة تعافٍ جدّية وذات صدقية. فمنذ إعلان التخلّف عن السداد، فشلت الحكومات المتعاقبة في تقديم برنامج إعادة هيكلة موثوق، أو تأمين حزمة إنقاذ شاملة، أو استعادة الثقة بالقطاع المصرفي. وبدلاً من ذلك، انتقل لبنان من أزمة جيوسياسية إلى أخرى. فالحروب الإقليمية، والشلل السياسي، والتوترات الأمنية، طغت مراراً على نقاشات الإصلاح الاقتصادي، دافعةً الانهيار المالي إلى الخلفية حتى فيما كانت الأضرار الاجتماعية تتفاقم.
لكن لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية تاريخية. فعدد متزايد من اللبنانيين بات يدرك أن البلاد لم تعد تملك رفاهية المواجهة الدائمة. جيلٌ أنهكته الحروب والإذلال الاقتصادي والهجرة، بدأ ينظر إلى اتفاق سلام مع إسرائيل ليس كسؤال أيديولوجي، بل كضرورة اقتصادية.
لقد اتخذ الرئيس جوزيف عون بالفعل خطوات سياسية جريئة باتجاه الانخراط المباشر. فقد مثّلت لبنان في واشنطن السفيرة ندى حماده في المحادثات المباشرة مع إسرائيل، ثم لاحقاً المفاوض الرئاسي المعيّن سيمون كرم، ضمن نقاشات مرتبطة بالديبلوماسية الإقليمية وربما السلام. ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه الخطوات، إذ إن حتى النقاشات غير المباشرة كانت تحمل لعقود مخاطر سياسية هائلة داخل لبنان.
إلا أن الديبلوماسية وحدها لن تكون كافية لتمرير اتفاق سلام حتى النهاية. فالانهيار الاقتصادي اللبناني بلغ درجة من العمق تجعل أي مسار سلام بحاجة إلى حزمة إنقاذ مالية ضخمة، قادرة على خلق دعم سياسي داخلي لأي تسوية.
الشعب اللبناني منهك. المواطنون يعيشون وسط بنى تحتية متداعية، وكهرباء متقطعة، وخدمات دولة ضعيفة، وانهيار القدرة الشرائية، وتجميد الحسابات المصرفية. وفي ظل هذه الظروف، قد يبدو السلام فكرة مجرّدة ومنفصلة عن المعاناة اليومية، ما لم يترافق مع انفراج اقتصادي ملموس. فإذا بدأ اللبنانيون يشعرون بتحسن فعلي في حياتهم - عملة أكثر استقراراً، استعادة جزئية للودائع، خدمات عامة تعمل، ونشاط اقتصادي متجدد - فإن المقاومة السياسية لفكرة السلام ستضعف كثيراً.
ويُظهر التاريخ أن اتفاقات السلام الكبرى في الشرق الأوسط لم تكن يوماً ترتيبات ديبلوماسية بحتة، بل عزّزتها حوافز مالية ضخمة.
فعندما وقّع الرئيس المصري أنور السادات معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية عقب اتفاقيات كامب ديفيد أصبحت مصر واحدة من أكبر متلقي المساعدات الأميركية في العالم بعد إسرائيل. وقدّمت الولايات المتحدة نحو 1.3 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية، إلى جانب ما يقارب مليار دولار سنوياً كمساعدات اقتصادية في السنوات الأولى التي أعقبت الاتفاق. وكانت هذه الحزمة ضخمة قياساً إلى حجم الاقتصاد المصري آنذاك، وأسهمت في تثبيت استقرار البلاد بعد سنوات من الحروب والديون. وعلى مدى العقود التالية، تلقت مصر أكثر من 50 مليار دولار كمساعدات عسكرية، فضلاً عن عشرات المليارات الأخرى من الدعم الاقتصادي.
وسلك الأردن مساراً مشابهاً بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994. فقد ارتفع الدعم الأميركي لعمان ارتفاعاً كبيراً في السنوات التالية، لتصل المساعدات السنوية إلى ما بين 1.5 و1.7 مليار دولار، عبر مزيج من الدعم المباشر للموازنة، والمساعدات الاقتصادية، والتمويل العسكري. وكانت واشنطن تنظر إلى هذه المساعدات ليس كعمل خيري، بل كاستثمار في الاستقرار الإقليمي وفي الحفاظ على حليف استراتيجي.
وقد تكون حالة لبنان اليوم أكثر إلحاحاً حتى من مصر أو الأردن وقت توقيع اتفاقاتهما. فعلى عكس الدول المنهارة بالكامل، لا يزال لبنان يمتلك مؤسسات عاملة، وقطاعاً خاصاً متصلاً بالعالم، وشعباً عالي التعليم، وحكومة، رغم ضعفها، ما زالت قائمة. لا يزال بالإمكان إنقاذه، إذا وصل الدعم الخارجي قبل الانهيار الكامل.
لهذا السبب، ينبغي لأي مبادرة سلام يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تتضمن حزمة مالية كبيرة مدعومة أميركياً لمصلحة لبنان. ويمكن أن تشمل هذه الحزمة دعماً مباشراً للموازنة، وتمويلاً للبنى التحتية، واستثمارات في قطاع الطاقة، والأهم آليات دعم لمصرف لبنان من أجل تثبيت احتياطاته النقدية.
فاليوم، يعتمد مصرف لبنان اعتماداً متزايداً على امتصاص الدولارات من سوق الصرافة المحلية ومن شركات تحويل الأموال للحفاظ على احتياطاته وصون الاستقرار النقدي. إلا أن هذه الآلية هشّة وغير قابلة للاستدامة على المدى الطويل. ومن شأن إنشاء خط تبادل (Swap Facility) أو آلية دعم احتياطات كبيرة ومدعومة أميركياً للمصرف المركزي أن يخفف جذرياً الضغط على سوق الدولار، ويوفر لصانعي القرار اللبنانيين هامش تنفس هم بأمسّ الحاجة إليه.
كما أن البعد الاقتصادي لا ينفصل عن الصراع السياسي الداخلي في لبنان. فقد ازدهر "حزب الله" تاريخياً خلال فترات ضعف الدولة والانهيار الاقتصادي، حين تصبح شبكات النقد الموازي وعمليات الصرافة غير الرسمية أقوى من المؤسسات الرسمية.
ولهذا تحديداً، أصبح تعزيز الدولة اللبنانية اقتصادياً ضرورة استراتيجية. فليرة أقوى، واحتياطات مستقرة، واستعادة الثقة بالمؤسسات الرسمية، كلها عوامل من شأنها إضعاف قدرة "حزب الله" والشبكات المرتبطة به على الاستفادة من الفوضى الاقتصادية. فانهيار العملة يخلق فرصاً للمضاربة، ويقوي اقتصاد الكاش، ويقوض سلطة الدولة. أما الاستقرار فيفعل العكس تماماً.
بل إن مجرد وجود احتمال جدي لحزمة مالية أميركية مرتبطة بمفاوضات السلام قد يؤدي فوراً إلى تعزيز قيمة الليرة اللبنانية. فالأسواق تتفاعل مع التوقعات السياسية بقدر تفاعلها مع الأساسيات الاقتصادية. والجمع بين الديبلوماسية، ودعم الاحتياطات، واستعادة الثقة الدولية، من المرجح أن يضعف الهجمات المضاربية على الليرة، ويحد من فرص المضاربين الذين يراهنون على مزيد من الانهيار.
والأهم من كل ذلك، أن مثل هذه الحزمة ستمنح الرئيس جوزف عون هامشاً سياسياً للتفاوض. فاتفاقات السلام تنجح حين تشعر الشعوب بأنها تستفيد مادياً من الاستقرار. ومن دون هذا “العائد الاقتصادي”، قد تصبح الديبلوماسية نفسها غير قابلة للاستمرار سياسياً.
وفي النهاية، فإن كلفة دعم لبنان اليوم ستكون على الأرجح أقل بكثير من كلفة إدارة عقد جديد من عدم الاستقرار على الحدود الشمالية لإسرائيل وفي شرق المتوسط. لقد فهمت واشنطن هذا المبدأ مع مصر، وفهمته مع الأردن. وربما يمثل لبنان اليوم الاختبار التالي لما إذا كان الإنقاذ الاقتصادي قادراً مرة أخرى على أن يصبح أساساً لسلام إقليمي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض