تحولات القطبية وصراع الممرات

منبر 11-05-2026 | 12:42

تحولات القطبية وصراع الممرات

لم يعد المشهد في الشرق الأوسط مجرد صدام عسكري عابر، بل أضحى منعطفاً تاريخياً يؤسّس لتآكل نفوذ القطب الواحد، بحيث يجد دونالد ترامب نفسه اليوم أمام واقع مغاير تماماً للحسابات التي دفعته نحو التصعيد،
تحولات القطبية وصراع الممرات
خليج عُمان ومضيق هرمز. (NASA Earth Observatory و أ ف ب)
Smaller Bigger

أكرم بزي

 

 

لم يعد المشهد في الشرق الأوسط مجرد صدام عسكري عابر، بل أضحى منعطفاً تاريخياً يؤسّس لتآكل نفوذ القطب الواحد، بحيث يجد دونالد ترامب نفسه اليوم أمام واقع مغاير تماماً للحسابات التي دفعته نحو التصعيد، فالتخطيط الذي استهدف الحسم السريع إصطدم بصلابةٍ ميدانية وتقاطعات دولية لم تكن في الحسبان، لتبدأ ملامح الهيبة الأميركية بالتراجع أمام استنزاف مستمر أثبت أن موازين القوّة لم تعد تركن إلى الأدوات التقليدية وحدها.
الواقع أن التقارير الغربية بدأت تقر أن الكثافة النارية الأميركية لم تحقق أهدافها والسبب ليس قوة إيران فحسب بل دخول التنين الصيني إلى عمق المعادلة العسكرية والتقنية. فالصين التي كانت تعرف بالقوة الهادئة، انتقلت من الدعم السياسي إلى تزويد طهران تقنيات التشويش والتمويه ومكونات المسيرات، مما جعل الضربات الجوية تسقط في فخ الأهداف الوهمية، وهو ما يفسر سلامة المواقع النووية الإيرانية رغم تعاقب جولات الحرب.
 إننا أمام معادلة جديدة أثبت فيها مضيق هرمز أن القوة البحرية التقليدية لم تعد كافية لحسم المعارك. فالإرادة المقترنة بالمسيرات والصواريخ الأرضية استطاعت إغلاق شريان الطاقة العالمي من دون الحاجة الى أسطول ضخم، مما وضع واشنطن أمام مأزقٍ تاريخي يرهق القوى البحرية التي تحاول فرض سيطرتها من البحر على خصم يقاتل من البر بثبات.
وفي هذا السياق، تبرز ورقة بحثية وتحليلية نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" في شباط\فبراير 2025 للكاتب والباحث ماكس بوت بعنوان "فشل الردع الأميركي في الشرق الأوسط"، أشارت فيها بوضوح إلى أن الولايات المتحدة وقعت في فخ التقديرات الخاطئة لموازين القوى الجديدة. وأكد التقرير أن الضربات التي تعرضت لها القواعد الأميركية في المنطقة كشفت عن هشاشة الوجود العسكري التقليدي أمام تكتيكات المواجهة المخفوضة التكلفة التي تتبعها إيران. وشددت الصحيفة على أن واشنطن تستنزف مواردها وهيبتها في صراعات لا تملك لها مخارج سياسية واضحة، ما جعل القواعد العسكرية تتحول من نقاط قوة إلى أهداف مكشوفة تعاني من تآكل الردع وتدمير ممنهج للقدرات اللوجستية، مما يعزز فرضية الانحطاط الإمبراطوري الذي تحدث عنه خبراء آخرون.
ترامب اليوم يواجه حقائق قاسية، فلا نصر عسكرياً يلوح في الأفق ولا قدرة على فرض شروط التفاوض بينما يضغط الاقتصاد العالمي وأسعار النفط على الداخل الأميركي. وفي هذا التوقيت بالذات يبرز الدور الصيني كلاعب يمسك بمفاتيح الحل والربط، فزيارة وزير الخارجية الإيراني لبكين لم تكن محض مصادفة بل رسالة بأن الصين هي من تحدد سقف الحرب وتمنع انفجارها الشامل سعياً وراء صراع مدار يضمن لها نفطاً رخيصاً واستنزافاً لمنافسها الأميركي وتوسيعاً لنفوذها الهادئ. إن الورقة الأخيرة الآن في يد بكين وزيارة ترامب المرتقبة تمثل محاولة إنقاذ سياسي لتفادي أزمة عالمية قد لا يتحملها الاقتصاد الدولي.
في الضفة الأخرى، تبرز إيران القارة التي وصفها الأكاديمي والمدير السابق لقسم إيران في الخارجية البريطانية مايكل أكسورثي في كتابه "إيران إمبراطورية العقل" الصادر عام 2007 بأنها حضارة أكثر منها مجرد أمة، فهي تمتلك قوةً ناعمة وثقافية تجعل منها قارةً ثقافية تمتلك أدوات صمود غير مرئية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. وتنهج إيران اليوم استراتيجية الانتصار بالنقاط وتحسن اللعب على تقاطعات المصالح الدولية، فبينما تتسم السياسة الأميركية بالتقلب والتخبط الذي يشبه تقلبات البورصة، تعمل طهران بنفسٍ طويل ورؤيةٍ استراتيجية حولت ضربات العدوان إلى فرصة لفضح محدودية القوة الأميركية. الاستراتيجية الإيرانية القائمة على المواجهة المخفوضة التكلفة في مقابل تكبد الخصم خسائر باهظة أدخلت المؤسسة العسكرية الأميركية في حالة من الإحباط والتناقض بين القيادتين السياسية والعسكرية، وأثبتت أن من يمتلك الصبر الاستراتيجي والقدرة على توجيه الضربات في المناطق الرخوة هو من يكتب نصراً استراتيجياً يمتد سنوات.
وبينما ينشغل العالم بصوت المدافع، هناك معركة أخرى تجري بصمتٍ في قطاع التنمية والربط الإقليمي حيث تبرز مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، كمؤشر على تحول المنطقة من منطق الصراع إلى منطق الربط، إحياء سكة حديد الحجاز بتوافق تركي- سوري- أردني يمثل عموداً فقرياً لممرٍ بري يسعى الى تجاوز اضطراب الممرات البحرية وارتفاع تكلفة النقل. وهذا التحول يضع المنطقة أمام واقع اقتصادي جديد يعتمد على التكامل والنمو المشترك، ليكون هذا التحول إيذاناً بميلاد نظامٍ إقليمي وعالمي يتجاوز لغة الرصاص نحو آفاق البناء والاستقرار الدائم.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/9/2026 11:05:00 PM
جرى خلال الاتصال، استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها...
الخليج العربي 5/10/2026 1:02:00 PM
وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة رصدت فجر اليوم عدداً من المسيّرات المعادية داخل المجال الجوي الكويتي وتمّ التعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة
المشرق-العربي 5/9/2026 11:10:00 PM

نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.

المشرق-العربي 5/10/2026 5:05:00 AM
شقيق الرئيس السوري خارج التشكيلة الحكومية الجديدة... هل يصبح سفيراً في روسيا؟