"وانفكّت قيود الجميع"

منبر 11-05-2026 | 10:23

"وانفكّت قيود الجميع"

يلاحظ بعضنا أنّ الحقيقة، اليوم، تضعف بقوّة عند بعضنا الآخَر لِتنامي الكِذِب في العلاقات البشرية كافّة مُستظلًّا العلاقات الحميمة أكثر من سواها، ولتأثير الأخبار المزيفة والمضلِّلة التي تعمّ الكوكب.
"وانفكّت قيود الجميع"
تعبيرية
Smaller Bigger

الاب ايلي قنبر 

 

1-"ٱلحَقيقَةَ قَد ضَعُفَت عِندَ بَني ٱلبَشَر"
يلاحظ بعضنا أنّ الحقيقة، اليوم، تضعف بقوّة عند بعضنا الآخَر لِتنامي الكِذِب في العلاقات البشرية كافّة مُستظلًّا العلاقات الحميمة أكثر من سواها، ولتأثير الأخبار المزيفة والمضلِّلة التي تعمّ الكوكب.
أمّا"ظاهرة الكذب المتفشية في المجتمعات كافة، (فـ) هي ظاهرة طبيعية تُكتَسب بالفطرة، وتنمو وتتطور وفق الظروف والتربية والبيئة، بالإضافة الى المقدرة على الفصل بين الخيال والواقع". وتتصف الأحاديث الكاذبة المتبادلة "بكثرة المجاملة والبعد عن العبارات الحميمة النابعة من القلب، ما يدل أن الكاذب لا يرتاح الى كذِبِه".
كما يُعدّ ضعف الوازع الأخلاقي والابتعاد عن الصدق في القول من أسباب الفتور التي تغيّب الحقيقة. لذا تحتاج الحقيقة إلى شجاعة لمواجهتها، ونشرها يتطلّب وعياً وفهماً عميقين لما يدور من حولنا. وفيما يُضطر كثيرون الى تهريب الحقيقة أو تزييفها لأسباب شخصيّة، أو للنجاة من مواقف محرجة، ينبغي أن نواجه الحقيقة من دون تغليب أهواء أو نزعات ذاتية أو أي انتماءات نتبنّاها على المستوى الشخصيّ.
أمّا في الإعلام - وهو المجال الأخطر في حياة البشر-  فيمكن استغلال الكذِب والتضليل "لتشكيل وَعي الجماهير بهدف ترويضها والسيطرة عليها والتلاعب بها خدمة لِإيديولوجيَا معيَّنة. وهذه اللعبة تجيدها بشكل جيّد وسائل الإعلام الأميركيّة على أساس نظريّة "إلْهي الشعب وَشتِّته من خلال *الخبز والسيرك*". ما يؤدّي إلى "ضعف الوعي، وتشتّت الذهن، وتشوُّش نظرة الإنسان للأمور وبالتالي إلى ابتعاده عن الواقع والحقيقة". واتّباع "كل ناعق" وعدم التحري والاستعلام يساهم في ضياع الحقيقة.
أمام هذا الواقع الصادم، ماذا يحل بالعالم يوم يبدأ الجميع بقَول الحقيقة؟ هل يمكننا أن نواجه الحقيقة رغم صعوبة الأمر؟
2-"فَأَمّا هَذا، فَلَم نَعلَم مِن أَينَ هُوَ"
رؤساء اليهود يُتقنون الكذِب ويُجيدونه وقد ورثته الطبقة السياسيّة اليهوديّة عبر العالم وتمارسه بأكثر خبثاً وأذى ووحشيّة.
كيف تصرّف الرؤساء مع يسوع؟
في رواية حول الأعمى منذ مولده صرّح قَومٌ مِنَ ٱلفَرّيسِيّين أنّ يسوع "رَّجُلٌ لَيسَ مِنَ ٱللهِ، لِأَنَّهُ لا يَحفَظُ ٱلسَّبت". لقد شَيطَنوه تمهيداً لإدانته علَناً وجماهيريّاً. ثمّ تابعوا مسار شَيطَنته بحيث "دَعَوا أَبَوَيِ ٱلَّذي أَبَصَرَ" للتحقّق من عمى ابنهما. إذ "لَم يُصَدِّقِ ٱليَهودُ عَنهُ أَنَّهُ كانَ أَعمى فَأَبصَرَ"، في محاولةٍ منهم لتكذيبه وادّعاء زَيف شهادته لمصلحة يسوع. ومن شدّة سطوة الفرّيسيّين وبَطشهم، "قالَ أَبَواهُ: *إِنَّهُ كامِلُ ٱلسِّنِّ فَٱسأَلوه*". أجابا هكذا "لِأَنَّهُما كانا يَخافانِ مِنَ ٱليَهودِ، لِأَنَّ ٱليَهودَ كانوا قَد تَعاهَدوا عَلى أَنَّهُ إِنِ ٱعتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ ٱلمَسيحُ يُخرَجُ مِنَ ٱلمَجمَع". أي يُنبَذ من الجماعة وتسقط حقوقه منها، بالإضافة إلى نكران "مسيحانيّة" يسوع. واستدعى الفرّيسيّون الأعمى المستنير حديثاً مرّة جديدة وطرحوا عليه الأسئلة نفسها، مُسقطين عن يسوع صفة "المسيح". هم الذين "يُفلّون البعوضة". أعلنوا بقَحَة: "نحن نَعلَمُ أَنَّ ٱللهَ كَلَّمَ موسى. فَأَمّا هَذا، فَلَم نَعلَم مِن أَينَ هُوَ". وَحين حشرهم الأعمى بقَوله "ماذا تُريدونَ أَن تَسمَعوا أَيضاً؟ أَلَعَلَّكُم تُريدونَ أَنتُم أَيضاً أَن تَصيروا لَهُ تَلاميذ؟" قالوا لَهُ: "إِنَّكَ بِجُملَتِكَ قَد وُلِدتَ في ٱلخطايا، وَأَنتَ تُعَلِّمُنا!"، فَطَرَدوهُ خارِجاً".
الشَيطنة والتخوين من الصفات التي تُنسَب اليوم أيضاً إلى كلّ مَن نُريد إسقاطه ونبذه والقضاء عليه ومَحوه من الوجود، على حدّ تعبير مِستر ترامب أو ألكسندر كارب الذي يعتبر نفسه ناقداً ومعارضاً لطريقة عمل شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون - وكر الشرّ في العالم - "لأنها لا توظف شرّها بما فيه الكفاية!"
3-"سَيَأتي ٱللّيلُ ٱلَّذي لا يَستَطيعُ أَحَدٌ فيهِ عَمَلاً"
قال يسوع: "يَنبَغي لي أَن أَعمَلَ أَعمالَ مَن أَرسَلَني ما دامَ ٱلنَّهار". لأن "ما دُمتُ في ٱلعالَمِ، فَأَنا نورُ ٱلعالَم". وهو لهذا قام بأعماله العظيمة لمصلحة الانسان، كلّ إنسان وكلّ الانسان. وقد حذا الرسل حذو يسوع، ومن "فكّ للقُيود" والتحرير من الأسْر. في وقت نجد فيه بعضاً من الناس يستسيغ الأسر في عالم البربريّة الذي يعمّ كوكبنا، بحسب الأكاديمي الاقتصادي جايسون هيكل: "(تُعتبَر) البربرية إحدى سمات الاقتصاد الرأسمالي العالمي وليست عيباً عرضياً طارئاً عليه". فقد تصوَّره كتاب *عالم جديد شجاع*: "البشر (يتخلّون) عن حرِّيَّتهم طوعاً في
مقابل التنعّم ببعض الراحة والمتعة والترفيه، تماماً كما نستسهل التسوّق على (مواقع معيّنة)، وكما ندوس على أزرار الموافَقة على شروط الخصوصيّة مستعجلين الدخول إلى تطبيقٍ ما من دون أدنى فكرة عمّا نضحّي به". كَم هو مُكلِف ومُحِطّ هذا الاسلوب في الحياة! لِمَ؟ لأنّنا ننتمي إلى "مجتمع الاحتراق النفسيّ" و"مجتمع الزومبيز" حيث "تتكشّف صورة الذات المعاصرة بصفتها ذاتاً مُنهَكة، نرجسيّة، ومقطوعةعن الآخَر. في عالم الأداء الدائم والاستعراض الرقميّ، تتحوّل الحريّة إلى شكل جديد من القهر، فيما تتّسع العزلة خلف وهم تحقيق الذات والمتعة والاستهلاك".
آنَ لنا "استعادة الآخر، بما يحمله من مقاومة واختلاف (كَـ) شرط النجاة. وحده التباطؤ، والقدرة على قول "لا"، والانفتاح على ما يربك الأداء ويكسره، قد يتيح للذات أن تخرج من احتراقها وأن تستعيد ما تبقى لها من إنسانيتها". أليس كذلك؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
كتاب النهار 5/12/2026 10:58:00 AM
تواجه بلدية بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية مشكلة في نقل نازحين في الخيم، عند الواجهة البحرية لبيروت إلى المدينة الرياضية أو إلى مدارس تؤوي نازحين مثلهم
لبنان 5/12/2026 11:50:00 AM
شدد قاسم على أن "الاتفاق الإيراني- الأميركي الذي يتضمن وقف العدوان على لبنان يكاد أن يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان"...