ترامب بين ارتباك العقل وعبقرية الفوضى: كيف ترى الصين "الرئيس المثير"؟
بقلم الدكتور طلال الخزرجي - طبيب وكاتب
ليس دونالد ترامب مجرد رئيس أميركي سابق، بل هو ظاهرة سياسية كاشفة، أشبه بمرآة مكسورة تعكس تحولات أميركا في عصر ما بعد الحقيقة. في عيون الصين – الدولة التي تتعامل مع واشنطن ببراغماتية حذرة – يظهر ترامب كخليط متناقض: فوضى منظَّمة، ارتجال يحمل حسابات باردة، وهزل يصبح أحياناً سلاحاً دبلوماسياً. لكن كيف تقرأ الصحافة الصينية، بتياراتها المتعددة، هذه الشخصية المثيرة؟ الواقع أن الفضاء الصيني لا يضم صوتاً واحداً تجاه ترامب، بل ثلاثة أصوات متوازية: صوت رسمي حاد يتجنب الهجوم الشخصي، وصوت شعبي ساخر يحوِّل الرئيس الأميركي إلى "ميم" مضحك، وصوت أكاديمي بارد يشخِّص الحالة كمرض معرفي. التيار الرسمي، ممثلاً بصحيفة الشعب اليومية ووكالة أنباء شينخوا، يتبنى نقداً سياسياً دقيقاً. فبعد إعادة انتخاب ترامب في 2024، كتبت صحيفة الشعب اليومية افتتاحية بعنوان "أميركا أولاً لا تعني الصين ثانياً"، أشارت فيها إلى أن سياسة التعريفات العشوائية التي ينتهجها ترامب تضر بالمصالح الأميركية أولاً، ودعت إلى "حفر عدد أقل من الحفر وبناء عدد أكبر من الجسور"، في إشارة إلى موقف بكين الداعي إلى الاستقرار. أما وكالة شينخوا فكانت أكثر حدة، ففي تعليق لها بعنوان "البلطجي الأعلى"، وصفت إدارة ترامب بأنها تحول أميركا إلى "قوة لا تلتزم إلا بقانون الغاب"، وانتقدت وعوده الانتخابية الكاذبة بإنهاء حرب أوكرانيا خلال 24 ساعة، وقالت: "ترامب يبيع الأوهام كالبضائع الرخيصة، وحين يفشل، يختلق أعداء جدداً". أما وزارة الخارجية الصينية، عبر المتحدثة هوا تشونيينغ، فتعتمد صياغات دبلوماسية تحمل سخرية خفية، مثل قوله "نأمل أن تعمل الولايات المتحدة مع الصين في نفس الاتجاه"، في تلميح إلى أن ترامب يمشي عكس التيار. في المقابل، يتحرك التيار الشعبي الرقمي على منصات مثل ويبو ووي شات ودويين، محولاً ترامب إلى ميم ساخر كآلية دفاع نفسي وتكتيك في حرب السرديات. من أبرز ألقابه هناك "استثنائي السخف" (جناس على اسمه يعني الشذوذ عن المنطق)، و"الرفيق ترامب") ساخراً، بمعنى أنه بأخطائه الاستراتيجية يخدم بناء الصين عن غير قصد)، و"إمبراطور التعريفات الجمركية" (إشارة إلى هوسه بالرسوم كحل لكل مشكلة). بعد أن أعلن ترامب في 2025 عن "إطلاق سراح 11 قتيلاً من تجار المخدرات" في خطأ لفظي شهير، تصدّر الوسم "أميركا أولاً في إطلاق سراح الموتى" قائمة الترند في ويبو، مع تعليقات لاذعة مثل: "هذه أميركا أولاً فعلاً – أول دولة في العالم تفرج عن قتلى". كما انتشرت فيديوات على دويين تظهر "منتجات ترامب": ساعة بوجهه تتحرك عكس العقارب، وفرشاة أسنان بشعر مستعار برتقالي، وعلبة مناديل مكتوب عليها "أكذب حتى تصدق". أما التيار الأكاديمي المتمثل في جامعة فودان والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، فيتبنى تحليلاً بارداً لما يسميه "المرض المعرفي" لترامب. فقد نشرت الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية دراسة بعنوان "تضخم الأنا وتآكل الواقع"، حللت فيها مقابلات ترامب التلفزيونية، وخلصت إلى أنه يعاني من "تخلف في البنية المعرفية"، مستشهدة بأمثلة مثل عدم معرفته بأن بريطانيا تمتلك أسلحة نووية، واعتقاده أن فنلندا جزء من روسيا. الدراسة قالت: "هذا ليس مجرد تقدم في السن، بل فجوة نظامية في تكوين النخبة السياسية الأميركية". ويصف أساتذة في جامعة فودان ترامب بأنه "نهاية منطق التنوير"، أي أن صعوده يعكس تحول السياسة الأميركية من العقلانية البراغماتية إلى المسرحية الشعوذائية. على المستوى التحليلي العميق، تتفق الأوساط الصينية على أن ترامب يتحرك داخل "مثلث الاستحالة: "ركن الصقور في واشنطن الذين يريدون مواجهة عسكرية مع الصين وإيران، وركن الأعمال الذين يريدون أرباحاً من التجارة ولو مع بكين، وركن قاعدته الشعبية التي تريد انتصاراً فورياً دون تكاليف. ترامب لا يحل هذا المثلث، بل يرقص على حباله مستخدماً "الفوضى التكتيكية": يلوح بالصواريخ ثم يمد يد السلام، يفرض تعريفات ثم يلمح إلى صفقة. وقد وصفت صحيفة ذا غلوبال تايمز هذه الآلية بأنها "إرهاب تفاوضي" – أي خلق أزمة مصطنعة لابتزاز تنازلات. والمفارقة التي تثير دهشة المحللين الصينيين أن هذه الفوضى "منتجة" داخلياً (تبقي مريديه في حالة ذهول وانبهار)، ولكنها هدامة خارجياً (تضعف الردع الأميركي وتربك الحلفاء). أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب الصيني الرسمي هو تجنب وصف ترامب بـ"المجنون" أو "الضعيف إدراكياً"، والتركيز بدلاً من ذلك على مفهوم "البلطجة العالمية" الذي صاغته شينخوا في 2025. وهذا المفهوم يعني: استخدام التهديد بالعقوبات كأداة تفاوضية وحيدة، واستبدال الدبلوماسية بالتهديدات العلنية على تويتر، وانتهاك الأعراف الدولية كما ينتهك المتنمر قواعد الفناء المدرسي. في مقال تحليلي لصحيفة الشعب اليومية بعنوان "من صنع الفوضى يدفع الثمن"، جاء: "ترامب يتعامل مع قضايا مثل النفط الفنزويلي والصراع الخليجي كما لو كانت صفقة عقارية فاشلة في نيويورك: ضجيج، تهديد، ثم انسحاب مفاجئ. هذا ليس جنوناً، بل أسلوب عمل: الفوضى كسلاح". وما قد يبدو للغرب "استهانة خطيرة" بترامب هو في التحليل الصيني "نزع القداسة الاستراتيجي". فعندما يحول المواطن الصيني الرئيس الأميركي إلى "جد ترامب" أو "الخاسر ترامب"، فهو لا يقلل من خطر السياسات الأميركية، بل يفرغ الشخصية من هالتها الرهيبة. هذا يعكس مبدأ صينياً قديماً في الحروب النفسية: إذا جعلت عدوك يبدو سخيفاً، فقد نزعت نصف قوته. في الفضاء الرقمي الصيني، تنتشر مقاطع فيديو ساخرة تظهر ترامب وهو يرقص على أنغام موسيقى صينية تقليدية، وتعليقات مثل: "ترامب يريد بناء جدار مع المكسيك، لكنه لا يستطيع بناء سور في حديقة بيته". هذه السخرية ليست مجرد ترفيه، بل طقوس دفاع جمعي تخفف من وطأة التوتر الجيوسياسي، وتحول الخوف إلى ضحك، والتهديد إلى مهزلة. في الختام، ترامب كما تراه الصين ليس أحمق عابراً وليس عبقرياً مضطرباً، بل عَرَض مركَّب لمرض أميركي أعمق: انهيار التوافق الوطني، تحول السياسة إلى سيرك، وارتقاء الكذبة الكبيرة إلى مرتبة الحقيقة البديلة. الرسمي الصيني ينقده بجدية لأنه يهدد الاستقرار العالمي، والشعبي الصيني يسخر منه لأن السخرية أنجع وسيلة لترويض الخوف، والأكاديمي الصيني يشخصه كحالة مرضية لأنه نافذة على أفول الإمبراطورية. يبقى ترامب لغزاً مفتوحاً: رجل فوضوي تخدم فوضاه أهدافاً ماكرة، ومهزلة تحمل في طياتها مأساة – مأساة أميركا التي تجد نفسها مرآة لرئيسها المشوّه. والخلاصة التي تتفق عليها بكين: مع ترامب، لا تكسب بالصراخ، بل بالصبر. لا ترد على تهوّر بتهوّر، بل تحوله إلى مادة أولية لبناء سرديتك الخاصة. فوضاه نظام، وارتجاله حساب، وهزله حكمة مغلفة بالسخرية – وهذا هو الدرس الصيني الأعمق في التعامل مع "الرئيس المثير".
نبض