ماذا لو لم يكن ما نعيشه انتصاراً؟
مفيد خطّار
في الجماعات التي أنهكَها المعنى من فرط ما صمدت، لا يعود الانتصار حدثاً يُروى، بل يصير طريقةً في النظر، عدسةً تُمسك الواقع كي لا يتسرّب منه المعنى.
هناك، لا يُسأل عمّا جرى، بل عمّا يُسمح له أن يُفهم ما جرى.
في لبنان، حيث تتراكم الخسارات كما يتراكم الغبار على يقينٍ قديم، لا تموت الوقائع… بل تُعاد صياغتها داخل اللغة.
يتبدّل اسم الشيء بهدوء، كأنّه يُنقذ من نفسه:
التراجع يُدعى صموداً
الإنهاك يُعاد تعريفه حكمة
والثقل يتحوّل علامة حياة… لا أثر هزيمة.
ليست المسألة تزويراً فاضحاً، بل اقتصاداً خفياً في الحقيقة.
تُخفَّف الوقائع لا لتُنفى، بل لتُحتمل.
وحين يعجز الواقع عن الدخول في الجملة، لا تسقط الرواية، بل تتقن فنّ المراوغة: تؤجّل الاعتراف، دون أن تعلن الكذب.
ثمّة اتفاق غير مكتوب، أن لا يُترك المعنى عارياً أمام ما حدث.
أن يُمنح قناعاً، ولو كان شفّافاً، يحميه من صدمة التطابق مع الحقيقة.
هكذا لا يعود الانتصار نتيجةً لمسار، بل ضرورةً نفسية لبقاء الحكاية.
لا أحد يكذب تماماً، لكنّ الجميع يشارك ــ بدرجات متفاوتة ــ في حماية شيء واحد:
ألّا تنهار القصة دفعةً واحدة.
ومن هنا تُصنع سرديّة الانتصار:
لا بإنكار الهزيمة، بل بتأجيل الاعتراف بها… إلى زمنٍ لا يأتي.
في هذا المناخ، لا تُقاس الأشياء بما هي عليه، بل بما يجب أن تبدو عليه كي لا ينهار الداخل.
تصير الذاكرة انتقائية، خزاناً يُبقي الرواية واقفة ولو على حافة التناقض.
لكنّ السؤال يظلّ هناك، صامتاً، ثقيلاً، لا يزول:
ماذا لو لم يكن ما نعيشه انتصاراً أصلاً؟
في العمق، لا يقيم الجواب في الخطابات، ولا في نقيضها، بل في تلك اللحظة النادرة حين تتعب اللغة من حماية المعنى،
وتنسحب خطوةً إلى الوراء…
ليتقدّم الواقع، ويقول نفسه.
عندها،
لا ينهار العالم كما نخاف، بل ينهار الوهم الذي كنّا نسكنه.
...
نبض