حين يصبح الضحك مقاومة عن قداسة الضحك في "جمهورية القلق"

منبر 08-05-2026 | 10:43

حين يصبح الضحك مقاومة عن قداسة الضحك في "جمهورية القلق"

​يُحكى في مأثورات "الزين" (Zen) الصينية عن ثلاثة رهبان اتخذوا من الضحك رسالة وجودية. يدخلون القرى، يقفون في الساحات، وينفجرون بقهقهات هستيرية تطهر الأرواح من أثقالها. لم يوزعوا وعوداً بالخلاص، بل مارسوا "عدوى" البهجة، محطمين صنم "الأنا" والجدية الزائفة التي نختبئ خلفها.
حين يصبح الضحك مقاومة عن قداسة الضحك في "جمهورية القلق"
تعبيرية
Smaller Bigger

 الياس عيسى الياس 

 

 

​يُحكى في مأثورات "الزين" (Zen) الصينية عن ثلاثة رهبان اتخذوا من الضحك رسالة وجودية. يدخلون القرى، يقفون في الساحات، وينفجرون بقهقهات هستيرية تطهر الأرواح من أثقالها. لم يوزعوا وعوداً بالخلاص، بل مارسوا "عدوى" البهجة، محطمين صنم "الأنا" والجدية الزائفة التي نختبئ خلفها. ولعل ذروة "نكتتهم الكونية" كانت حين مات أحدهم، فحول جنازته إلى عرض للألعاب النارية المخبأة في جيوبه، لينتصر الضحك حتى على الموت.
​قد تبدو هذه الحكاية ترفاً صوفياً بعيداً عن واقعنا، لكنها في جوهرها هي الدستور الروحي الذي نحتاجه اليوم في لبنان. نحن الذين نعيش في "جمهورية القلق"، حيث تحول الألم إلى روتين، صرنا نقدس الهمّ ونمنح الحزن هالة من العمق المفتعل. لقد نسينا أن الجدية المفرطة التي نناقش بها أخبارنا وأزماتنا، هي في الحقيقة "قناع" نخفي وراءه رعبنا من العجز.
​إن الضحك هنا ليس هروباً، بل هو فعل مقاومة. في بلد يُراد لنا فيه أن نختنق تحت ركام الانهيار، يصبح الضحك هو الصلاة الوحيدة الممكنة. إنه الاعتراف بأن هذه المسرحية العبثية التي نؤديها يومياً، ليست في ميزان الحقيقة سوى وهم عابر. الضحك هو الأداة التي ننزع بها الشرعية عن الجلاد، وعن الثقل الذي يحاول سحقنا.
​لكننا، ويا للأسف، فقدنا القدرة على "الخفة"، وكأن الضحك صار عيباً أو خيانة لـ "قداسة" المعاناة. صرنا نعتبر القهقهة من القلب تهمة. أعترف أنني حين أمشي في شوارع بيروت المثقلة بالذكريات، أو أعبر زواريب طرابلس التي تكابر على جرحها، وصولاً إلى زغرتا الصامدة بجبالها ويقينها، أفتش في الوجوه عن "بحّة" فرح حقيقية، فلا أسمع إلا طنيناً من الشكوى. تحولنا إلى كائنات رصينة بشكل مَرضي، نخشى أن نضحك فنُتّهم بقلة الوفاء لأوجاعنا، بينما الحقيقة أننا ننتحر ببطء تحت وطأة هذا التجهّم الذي لا يغير من الواقع شيئاً.
​ما ينقصنا فعلاً هو استعادة "الإنسان" خلف المتاريس النفسية التي بنيناها. لقد باتت وجوهنا خرائط من الخطوط القاسية، وكأن الابتسامة اعتداء على كرامة المصيبة. نحن بحاجة إلى شجاعة الرهبان الثلاثة لنصرخ في وجه هذا البؤس: "لن تأخذ أرواحنا". الضحك الحقيقي ليس سخرية من الأوجاع، بل هو الوقوف بانتصاب فوقها، هو تلك الومضة التي تقول للقهر إن جدرانه، مهما علت، لا تملك سقفاً يطال سماء أرواحنا. إنها محاولة لاسترداد حقنا في التنفس خارج زنزانة "التوقعات السوداء" التي فُرضت علينا.
​هذه الجدية القاتلة صادرَت حتى علاقتنا بالمقدس. نطلب الجدية في السياسة وسط مسرح عبثي، وننشدها في العمل كأننا تروس في آلة، نسينا أن القرب من "الحق" يحتاج قلباً خفيفاً وروحاً منفتحة، لا طقوساً متشنجة ووجوهاً مكفهرة ترى في البهجة "إهانة" للوجود. إن التعامل مع الحياة بضحك صافٍ هو أرقى أنواع الثقة بالخالق والوجود معاً.
​ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الخطابات، بل نحتاج إلى تلك "القهقهة الوجودية" التي تعيد ترتيب أولوياتنا. الضحك هو المسافة التي تسمح لنا برؤية الحقيقة: أننا لسنا عبيداً لهذا الواقع ما دمنا نملك القدرة على السخرية منه. الحكمة تقتضي أن نمتلك تلك "المفرقعات الملونة" في جيوب قلوبنا. الرهبان لم يحاولوا فهم العالم، بل حاولوا عيشه، ونحن بإفراطنا في التحليل أضعنا طعم اللحظة.
​إن فلسفة الضحك هي دعوة للتحرر من الأصنام الذهنية. قد لا نملك ترف التجوال في الساحات كما فعل الرهبان، لكننا نملك حتماً خيار ألا نموت قبل أن نموت. فليكن رحيلنا انفجاراً للألوان في وجه السواد. الروح التي تضحك، لا تُهزم.. حتى وهي تحترق.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/9/2026 11:05:00 PM
جرى خلال الاتصال، استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها...
الخليج العربي 5/10/2026 1:02:00 PM
وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة رصدت فجر اليوم عدداً من المسيّرات المعادية داخل المجال الجوي الكويتي وتمّ التعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة
كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.