"العملة الصفراء"
محمد سعيد حميد- اليمن
في أحد الأحياء القديمة، حيث تتدلى بيوت الطين مثل أعشاش طيور على المنحدرات، بدأت تظهر وجوه قاسية الملامح، بلحى مُشذبة بإتقان، وملابس فضفاضة بيضاء تتحرّك بهدوء كالأشرعة. كانوا يستأجرون البيوت، إن لم يتمكنوا من شرائها، بعملة غريبة على معظم سكان الحي.
في هذا الحي، الذي يتشعب منه الطريق بين الأشجار نحو السوق القديمة ونحو مقبرة الأجداد في أطراف المدينة، استأجر أحد هؤلاء غرفتين ومطبخاً وحماماً بألف ورقة من تلك العملة. سأله رجل نحيل شاحب الوجه من أهل الحي:
"من أين لك هذا المبلغ كل شهر؟"، فأجاب الرجل الغريب وهو يمرّر يده على لحيته الحمراء، ونظراته تتجاوز سقف الدكان المتواضع: "الرزاق واحد."
قال له الرجل: "نعلم أنه الرزاق، لكنك الآن بفعلك هذا تضرب أعناق المستأجرين الفقراء، الذين عائدهم قليل، أو يعيشون على هبة السماء. لهم أطفال بالكاد يقدرون على إطعامهم."
هزّ الرجل الغريب كتفيه، وكأنه يتخلص من ذبابة مزعجة:
"لا تستأجر إلا إذا كنت قادراً. وإذا لم تستطع، فالهجرة خير لك. أرض الله واسعة، وغيرك سيأتي ويستأجر."
كاد أن يُغمى على الرجل النحيل من وقع الرد، وهو يتمتم:
"يا الله، من أين أتى هذا الطوفان؟".
وأتجه بعد أن أفاق من هول الصدمة، ليسأل رجلاً عجوز واقفاً تحت ظل شجرة السدر، لعل خبرته تجد جواباً عن هؤلاء القوم، فرد عليه بعد زفرة عميقة، وهو يفرك بيديه أوراق الريحان ويشم عطرها:
"كثيرون مثلهم. يستأجرون بالمبلغ الذي يطلبه المالك بتلك العملة. لا يهمهم أن الإيجار مرتفع كالجبل. يخرجونها من حقائبهم كأنها حبات مسبحة". ثم أضاف بنبرةٍ مختنقة:
"هذا، مع الأسف، واقعنا الجديد. قد لا نجد يوماً الخبز، وهم يرمون نقودهم في ثوانٍ حيثما شاؤوا."
الخبز حين يُرفع ثمنه، لا يسقط من السماء، بل من يدٍ خفية تضغط على رقبة أخرى أضعف.
بيوت الأجداد، التي شيّدت حجراً حجراً، صارت تُؤجر للوجوه الجديدة بعملةٍ لا تنتمي إلى عالم الأجداد، بل لعل هناك من أُكره على بيعها بأرخص الأثمان.
صارت تُسمع في الحي لهجات دخيلة، ورائحة أطعمة عجيبة تختلط برائحة الياسمين البري. ارتفعت الأسعار، وبدأ أهل الحي الأصليون ينسحبون نحو المنحدرات الأكثر وعورة، حاملين أبوابهم في صدورهم، وتركوا خلفهم جدراناً صارت أنيقة فجأة، لأن الغرباء يحبون البيوت النظيفة من الذكريات.
أما السماسرة، فكانوا يقفون في الظل، يشيرون بأصابعهم كأنهم يقسمون الغنائم. لا يسألون من أين يأتي المال، ولا إلى أين يذهب البشر. مهمتهم أن يفتحوا الباب ويغلقوه، وأن يحسبوا العمولة قبل أن يسمعوا البكاء.
تساءل الناس في سرهم:
"أين حراس الحي القدامى؟ أين أولئك الذين كانوا يحفظون توازن الحياة، ويضمنون ألا يطغى بحر على نهر، وأن تبقى السفن كلها في مأمن من الغرق؟".
ولكن لم يكن هناك جواب، فقط صوت الرياح التي تدور حول الحي، حاملةً معها غبار الطرق البعيدة، وهمسات مختلطة، وطيف عملات صفراء تتلألأ في راحة الأيادي الغريبة، بينما تظل أيادي أهل الحي الأصلية مفتوحةً وخاوية، تلمس جدران بيوتهم القديمة التي تحولت ببطء إلى أصداف فارغة من نبضها في يد المحيط المتغير.
لكن الحارة، رغم كل شيء، لم تنسَ. كانت تخزّن الغضب في الشقوق، وتعد الأيام بصبر التراب. فالأماكن، مثل البشر، قد تصمت طويلاً… لكنها حين تتكلم، لا تحتاج إلى عملة.
نبض