الطاقة والصراعات والحوكمة: مهمات المجتمع المدني للمرحلة المقبلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

منبر 07-05-2026 | 10:46

الطاقة والصراعات والحوكمة: مهمات المجتمع المدني للمرحلة المقبلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لا تقتصر تبعات الحروب التي تغيّر شكل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تدمير البنى التحتية فحسب، بل إنها تعيد رسم الخارطة السياسية لحوكمة الطاقة، محدّدة الجهة الفاعلة المسؤولة عن صنع القرار، وتلك المستفيدة، وتلك المعرّضة للإقصاء.
الطاقة والصراعات والحوكمة: مهمات المجتمع المدني للمرحلة المقبلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي
Smaller Bigger

ديانا القيسي - منسّقة شبكة العدالة في إدارة الموارد في لبنان
الدكتور بيار سعادة - مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومسؤول التنسيق المعني بمكافحة الفساد في شبكة العدالة في إدارة الموارد

 

 

 

لا تقتصر تبعات الحروب التي تغيّر شكل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تدمير البنى التحتية فحسب، بل إنها تعيد رسم الخارطة السياسية لحوكمة الطاقة، محدّدة الجهة الفاعلة المسؤولة عن صنع القرار، وتلك المستفيدة، وتلك المعرّضة للإقصاء. وبالنسبة إلى المجتمع المدني في المنطقة، فهذا ليس وقت الوقوف مكتوفي الأيدي في صفوف المتفرجين؛ إنه وقت التحرّك والعمل.
لقد كشف الصراع عن مواطن ضعف عميقة في أنظمة الطاقة في المنطقة: الاعتماد على طرق تجارة مُتَنازَع عليها، وبنية تحتية مركزية، ووقود مستورد، وضعف مزمن في الرقابة العامة. غير أن التحوّل الأهم يبقى سياسياً، إذ أضحت الطاقة اليوم سلاحاً يُستخدم علناً لعقد التحالفات، وممارسة الضغوط، والتأثير على نتائج تتجاوز القطاع نفسه. وعندما يحين الأوان للشروع بإعادة الإعمار، لن يكون ذلك مجرد عملية تقنية لإعادة بناء ما فُقد، بل صراع سياسي حول ما يُبنى، ولمن، وبموجب أي شروط.
وقد بات الخطر ظاهراً بالفعل. ففي جميع أنحاء المنطقة، تُستغَلّ الظروف الطارئة ذريعةً لتبرير صنع قرارات متسرعة، وإبرام عقود مبهمة، واتخاذ خيارات تتعلّق بالبنية التحتية من دون أي تدقيق عام أو مشاركة مجتمعية. أما الحكومات، فتتحدث بلغة المرونة والتنويع، بينما تقوم بترسيخ سلطة صنع القرار في الخفاء. وفي حال استدامة هذا النمط خلال مرحلة إعادة الإعمار، فما النتيجة إلا أنظمة طاقة قد تكون أكثر حداثة، لكنها ليست أكثر عدلاً، أي بنية تحتية جديدة تُبنى فوق أوجه انعدام المساواة القديمة.
عوامل ثلاثة ستحدد المستقبل
من المرجح أن يتشكل مشهد الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما بعد الحرب بفعل ثلاثة ضغوط متداخلة:
أولها السعي نحو تعزيز مرونة الطاقة والسيادة: سوف تسعى الدول إلى إرساء أنظمةٍ أقل عرضة لصدمات الاستيراد والاضطرابات الجيوسياسية، ما يولّد طلباً حقيقياً على مصادر الطاقة المتجددة اللامركزية، وعلى تخزين الطاقة محلياً، وعلى بنيةٍ تحتية أقوى لشبكة الكهرباء.
ثانياً، لا مناصّ من إعادة الإعمار، خصوصاً في البلدان المتضررة من النزاعات، حيث ستحدّد قرارات الاستثمار الضخمة بنية الطاقة للعقود القادمة.
وثالثاً، احتدام المنافسة على الأصول الاستراتيجية: ممرات الغاز، ومشاريع الهيدروجين، وشبكات الربط الكهربائي، مع سعي الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية إلى تعزيز نفوذها.
تلك كلها خيارات واعدة، لكن أيّاً منها لا يفضي تلقائياً إلى تحقيق العدالة. فأجندة السيادة يمكن أن تدعم أنظمة الطاقة المجتمعية بقدر ما قد تُستخدم لتبرير أنماط حوكمة مركزية تفتقر إلى الشفافية. كما أن الاستثمارات في
إعادة الإعمار قد تُساهم في بنيةٍ تحتية منصفة، بقدر ما قد تُرسّخ استحواذ النخب على الموارد. أما المنافسة الاستراتيجية، فبإمكانها إما توليد فرص العمل ودفع عجلة النمو، وإما تهميش المجتمعات المحلية، ومفاقمة الضغط على الأراضي والمياه، وتقييد الدول باتفاقات غير متكافئة.
وعليه، فإن إمكان إفضاء هذه التوجهات إلى نتائج عادلة، يعتمد إلى حد كبير، على مجتمعٍ محلي منظّم يكون حاضراً وذا صدقية ومنخرطًا منذ المراحل الأولى، بما يسمح له بالمشاركة في صياغة الشروط.
فجوة الحوكمة التي على المجتمع المدني سدّها
ما تتطلّبه اللحظة الراهنة هو نمط من الانخراط المدني يعمل على المستويين الوطني والإقليمي معاً؛ نمطٌ قادر على ربط الواقع الذي تعيشه المجتمعات المحلية التي تواجه انقطاعات الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، بالقرارات الكبرى التي تُتَّخذ على مستوى الوزارات، وغرف مجالس الإدارة، واجتماعات المانحين.
كما يقتضي ذلك إعادة تعريف مستمرة لمفهوم أمن الطاقة في ذاته. ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لطالما تم تأطير أمن الطاقة ضمن مفاهيم ترتكز على الدولة: تأمين الإمدادات، وحماية الصادرات، والحفاظ على استقرار الإيرادات. غير أن تعريفاً أوسع وأكثر واقعية ينبغي أن يشمل توفير الكهرباء بأسعار ميسورة للأسر، وضمان مصادر طاقة موثوقة للمستشفيات وأنظمة المياه، وتعزيز الشفافية في العقود، وإتاحة مشاركة حقيقية في القرارات التي تمس حياة المواطنين.
وفي موازاة ذلك، تتمتّع تحالفات المجتمع المدني المتجذّرة في المنطقة، والتي تربطها علاقات صلبة مع الحكومات والمجتمعات المحلية والمؤسسات الإقليمية، بموقع فريد في مرحلة ما بعد الحرب. وفي هذا الإطار، يمكن شبكة العدالة في إدارة الموارد، من خلال تحالفاتها الوطنية ومنصتها الإقليمية، أن تشكّل قناة أساسية، تصبح عبرها نقاشات إعادة الإعمار أكثر خضوعاً للمساءلة، وأكثر شمولاً، وأكثر ارتباطاً بالاحتياجات العامة.
ومن منظور حكومي، إن مجتمعاً مدنياً منظَّماً لا يعدّ تهديداً، بل أحد الأصول الاستراتيجية. ففي السياقات الهشّة في أعقاب الحروب، يمكن أن يعمل حلقة وصلٍ لإرساء الاستقرار بين الدولة والمواطنين، ما يُعزز تنفيذ السياسات، ويقلّل من ردود الفعل السلبية، ويبني الثقة في مسارات الإصلاح. كما أن المجتمع المدني يساعد الحكومات على تسليط الضوء على الشفافية أمام المانحين والمستثمرين، ما يفضي إلى شروط تمويلٍ أفضل. وبالتالي، فإن من مصلحة الحكومات أن تعمل مع مجتمع مدني فعّال ومنسَّق، يرصد المخاطر في وقت مبكر، ويدعم تصميم سياساتٍ أكثر مرونة، ويساهم في بناء أنظمة طاقةٍ أكثر استدامة.
ما المطلوب عملياً؟
تبرز أربع أولويات أساسية. أولاً، على المجتمع المدني رصد صفقات إعادة الإعمار والطاقة منذ مراحلها الأولى، قبل إبرام العقود وتحديد أطر الحوكمة، مع إيلاء اهتمامٍ خاص لشفافية المشتريات، وشروط التمويل، والضمانات الاجتماعية.
ثانياً، لا بد للتحالفات من أن تتصدى بفعالية للتعريفات الضيقة لأمن الطاقة، وأن تُبقي قضايا العدالة، وإمكان الوصول، والقدرة على تحمّل التكاليف، والمساءلة العامة في صلب النقاشات السياساتية.
ثالثاً، من الضروري المشاركة في عمليات الاستثمار الجديدة، أي في مجالات الطاقة المتجددة، والغاز، والهيدروجين، وبنية الكهرباء التحتية، وذلك منذ البداية حينما يكون المجال متاحاً للتأثير في صوغ القواعد، عوض الاكتفاء بردّ الفعل على النتائج.
ورابعاً، يكتسي التضامن العابر للحدود بين التحالفات أهمية كبرى؛ فالضغوط التي تواجهها الدول مختلفة في تفاصيلها، لكن أنماطها الأساسية مترابطة، والتحليل والاستراتيجيات المشتركة من شأنهما مضاعفة الأثر.
لا يملك المجتمع المدني رفاه الانتظار. فالقرارات التي تُتخذ اليوم بشأن البنية التحتية، والتمويل، والملكية، والحَوْكمة سترسم خطوط أنظمة الطاقة في المنطقة للعقود المقبلة. والمهمة الآن هي الانتقال من التحليل إلى التدخل الفعلي: رصد الصفقات قبل إبرامها، وبناء أدوات مناصرة مشتركة بين التحالفات، وتطوير آليات للمساءلة العامة، وإنشاء منصات للاستجابة الإقليمية المنسّقة.
لا يتمثّل الهدف بمجرّد توجيه النقد إزاء ما يجري بناؤه، بل بالمساهمة في تحديد ما سيُبنى، ولمصلحة من، ووفقاً لأي شروط. هذه هي المهمة، ويجب أن تبدأ الآن.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/6/2026 10:20:00 AM
قرار توحيد القوات المسلحة عام 1976 أثبت خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة قدرته على حماية الاتحاد عبر منظومة موحّدة تمتصّ الهجمات وتمنع انتقالها إلى الداخل.
الخليج العربي 5/6/2026 3:44:00 PM
استمع من القائمين على المنصّات إلى شرح حول أبرز المبادرات والمشاريع الجديدة التي أعلنت خلال الفعاليات
المشرق-العربي 5/6/2026 3:04:00 PM
تؤكد مصادر عراقية مطلعة، لـ"النهار"، أن خطوة الفصائل تأتي في إطار سعيها إلى تثبيت حضورها داخل العمل السياسي، وتهيئة نفسها لدخول حكومة علي الزيدي.
المشرق-العربي 5/6/2026 12:06:00 PM
في المقابل، لا تزال جهود الوسطاء مستمرّة...