لبنان بين هدنتين: تعافٍ هشّ تحت ضغط صدمات الطاقة والحرب

منبر 07-05-2026 | 09:32

لبنان بين هدنتين: تعافٍ هشّ تحت ضغط صدمات الطاقة والحرب

مع انتهاء الهدنة الأولى والدخول في هدنة ثانية أقلّ تصعيداً، يقف لبنان عند مفترق اقتصادي حاد، حيث يتأرجح بين تعافٍ جزئي تقوده قطاعات الخدمات والتحويلات، وانكشاف كبير على صدمات الطاقة وتداعيات الحرب.
لبنان بين هدنتين: تعافٍ هشّ تحت ضغط صدمات الطاقة والحرب
دمار في جنوب لبنان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

د.علي حمود

 

 

مع انتهاء الهدنة الأولى والدخول في هدنة ثانية أقلّ تصعيداً، يقف لبنان عند مفترق اقتصادي حاد، حيث يتأرجح بين تعافٍ جزئي تقوده قطاعات الخدمات والتحويلات، وانكشاف كبير على صدمات الطاقة وتداعيات الحرب. يعكس هذا الواقع اقتصاداً "معلّقاً" بين الانهيار والإصلاح، في ظل تراكم الضغوط المالية والنقدية ضمن بيئة داخلية وخارجية معقّدة.
على مستوى النمو، سجّل الاقتصاد اللبناني تحسناً نسبياً خلال عام 2025، بمعدلات تراوحت بين 3.5% و5%، مدفوعة بانتعاش السياحة وزيادة تحويلات المغتربين. إلا أنّ هذا التعافي بقي هشاً، إذ تشير التقديرات الأولية لعام 2026 إلى احتمال عودة الانكماش نتيجة تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الطاقة. ولا يزال الناتج المحلي الإجمالي أدنى بكثير من مستوياته قبل أزمة 2019، بعدما فقد الاقتصاد ما يقارب 40% من حجمه.
أما التضخم، فقد عاد إلى الارتفاع بفعل صدمة أسعار الطاقة. فبعد تراجع نسبي خلال 2025 إلى نحو 14–15%، ارتفع مجدداً ليبلغ نحو 17% سنوياً في مطلع 2026. ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ما يزيد من فاتورة الاستيراد في بلد يعتمد على الخارج لتأمين أكثر من 80% من حاجاته الطاقوية. وقد أدى ذلك إلى اتساع العجز في الميزان التجاري وتآكل القدرة الشرائية، خصوصاً في ظل اقتصاد شبه مُدولر تنتقل فيه صدمات الأسعار سريعاً إلى المستهلك.
نقدياً، لا يزال الاستقرار الظاهري هشاً. فرغم تسجيل سعر الصرف نوعاً من الاستقرار النسبي خلال الفترة الماضية، ما ساهم في كبح التضخم مؤقتاً، فإن الليرة اللبنانية فقدت أكثر من 97% من قيمتها منذ بداية الأزمة. ويستمر الاقتصاد في الاعتماد على الدولار النقدي، ما يحدّ من قدرة المصرف المركزي على إدارة السياسة النقدية بفعالية، ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية.
مالياً، تبقى المالية العامة نقطة الضعف الأبرز. إذ يُقدّر الدين العام بأكثر من 350% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو من بين الأعلى عالمياً، في وقت تعاني فيه الدولة من عجز مزمن وضعف في الإيرادات. ومع ارتفاع أسعار الطاقة، تتزايد الضغوط على المالية العامة لتمويل قطاع الكهرباء وبرامج الدعم الاجتماعي، ما يؤدي إلى تفاقم العجز في ظل محدودية القدرة على الاقتراض. كما تُقدّر كلفة إعادة الإعمار بعد الحرب بنحو 11 مليار دولار، وهو رقم يفوق بكثير إمكانات الدولة.
في موازاة ذلك، لا يزال القطاع المصرفي في صلب الأزمة. إذ تُقدّر الخسائر التراكمية منذ عام 2019 بأكثر من 70 مليار دولار، من دون التوصل إلى معالجة نهائية لها حتى الآن. وتبقى ودائع المواطنين مجمّدة أو خاضعة لقيود صارمة، ما يضعف الثقة ويقيّد الاستثمار، ويجعل أي تعافٍ اقتصادي غير قابل للاستدامة في غياب إصلاح مالي شامل وإعادة هيكلة جدية للقطاع المصرفي.
في المقابل، يعتمد لبنان بشكل متزايد على الدعم الخارجي. فقد حصل على تمويلات من مؤسسات دولية لدعم برامج الحماية الاجتماعية، فيما يبقى التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي شرطاً أساسياً لإعادة هيكلة الدين واستعادة ثقة المجتمع الدولي. كما تؤدي المؤسسات الإنسانية دوراً متنامياً في مواجهة تداعيات النزوح وتفاقم معدلات الفقر.
خلاصة القول، يعيش لبنان مرحلة "تعافٍ هشّ تحت الضغط"، تتسم بنمو محدود مهدّد بالتراجع، وتضخم متصاعد، وعملة ضعيفة بنيوياً، وعجز مالي متفاقم، وقطاع مصرفي غير مُعاد هيكلته. وبينما قد تساهم الهدنة الثانية في خفض التوترات الأمنية، فإنها لا تعالج جذور الأزمة. وحده مسار إصلاحي شامل - يتضمن اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي، وإعادة هيكلة الدين والمصارف، وتنفيذ إصلاحات بنيوية - كفيل بنقل لبنان من اقتصاد إدارة الأزمات إلى اقتصاد التعافي المستدام.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/6/2026 10:20:00 AM
قرار توحيد القوات المسلحة عام 1976 أثبت خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة قدرته على حماية الاتحاد عبر منظومة موحّدة تمتصّ الهجمات وتمنع انتقالها إلى الداخل.
الخليج العربي 5/6/2026 3:44:00 PM
استمع من القائمين على المنصّات إلى شرح حول أبرز المبادرات والمشاريع الجديدة التي أعلنت خلال الفعاليات
المشرق-العربي 5/6/2026 3:04:00 PM
تؤكد مصادر عراقية مطلعة، لـ"النهار"، أن خطوة الفصائل تأتي في إطار سعيها إلى تثبيت حضورها داخل العمل السياسي، وتهيئة نفسها لدخول حكومة علي الزيدي.
المشرق-العربي 5/6/2026 12:06:00 PM
في المقابل، لا تزال جهود الوسطاء مستمرّة...