نجاح أو فشل اختبار اليوم في مضيق هرمز قد يعيد الحرب… أو يقرّب الجميع من الاتفاق؟

منبر 04-05-2026 | 18:45

نجاح أو فشل اختبار اليوم في مضيق هرمز قد يعيد الحرب… أو يقرّب الجميع من الاتفاق؟

تعيد الولايات المتحدة توجيه حضورها العسكري، حيث تُقدّر كلفة الانتشار الخارجي بنحو 100 مليار دولار سنويًا، مع انتقال استراتيجي من القواعد العسكرية التقليدية إلى التركيز على تأمين الممرات الحيوية.
نجاح أو فشل اختبار اليوم في مضيق هرمز قد يعيد الحرب… أو يقرّب الجميع من الاتفاق؟
سفن شحن في مضيق هرمز. (أرشيف)
Smaller Bigger

حسن درغام

بين شريان الطاقة العالمي وحدود الحرب المؤجلة، يقف مضيق هرمز اليوم كميزان دقيق بين الانفجار… والتسوية.

في لحظة تختصر تعقيد المشهد الإقليمي، يقف مضيق هرمز مجددًا في قلب التوازنات الدولية، لا بوصفه ممرًا لخُمس إنتاج العالم من النفط والغاز، ولا مجرد شريان لعبور ناقلات الطاقة إلى الأسواق العالمية، وبخاصة الصين وآسيا، بل كأداة ضغط جيوسياسي يعاد توظيفها في رسم مسارات الصراع والتفاوض معًا.

فالمواجهة بين الولابات المتحدة وإيران لم تعد تُقاس بعدد الضربات التي طالت البنية التحتية العسكرية والمدنية، ولا بحجم الاستهداف الذي طال مواقع حساسة داخل إيران، بل بقدرة كل طرف على التحكّم بإيقاع التصعيد… ومنع انزلاقه إلى حرب مفتوحة تعيد عقارب التسوية إلى الوراء.
وبعد أكثر من أربعين يومًا من الضربات الجوية الأميركية – الإسرائيلية المركّزة، والتي استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت لوجستية وبنى تحتية مرتبطة بقدرات إيران الإقليمية، لم تصل المواجهة إلى الحسم، بل انزلقت إلى مسار تفاوضي متقطع، يتزامن فيه التصعيد الميداني مع محاولات احتوائه سياسيًا.

من هنا، تبدو اللحظة الراهنة محكومة بمعادلة دقيقة: كلفة توتر مرتفعة بما يكفي لفرض الشروط، ومنخفضة بما يكفي لتجنّب الانفجار، بما يسمح لكل طرف بالعودة إلى طاولة التفاوض في إسلام آباد وهو يحمل أوراق ضغط إضافية.

في هذا السياق، لم يعد المضيق مجرد ممر بحري، بل تحوّل إلى عقدة مركزية في معادلة عالمية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، من واشنطن إلى بكين، مرورًا بأوروبا التي تجد نفسها مجددًا أمام اختبار أمن الطاقة بعد التداعيات العميقة للحرب الأوكرانية.

تدرك الولايات المتحدة أن أي إغلاق فعلي للمضيق سيُحدث صدمة في الأسواق العالمية، التي تدفع أصلًا فاتورة مرتفعة مع ملامسة سعر برميل النفط مستويات تقارب 120 دولارًا، لكنها تسعى إلى إدارة الأزمة ضمن سقف محسوب، يتيح لها الضغط على طهران من دون التورّط في حرب واسعة كان الرئيس الأميركي قد أعلن رسميًا رغبته في إنهائها.
أما إيران، فتدرك أن قدرتها على التهديد بتعطيل الملاحة تفوق قدرتها على إغلاق المضيق فعليًا، لكنها تستخدم هذا الهامش كأداة تفاوضية فعّالة.

هنا يتشكّل ما يمكن وصفه بـ“توازن الاختناق”: لا حسم عسكريًا، بل خنق متبادل عبر الاقتصاد والممرات وخطوط الإمداد.

في هذا السياق، لا يبدو لبنان ساحة جانبية، بل نقطة هشّة يتكثف فيها أثر هذه التحولات. فجنوب لبنان يتأرجح بين خطوط النار وانقسام الإرادات. ففي حين يسعى رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى فتح مسار تسوية مع واشنطن وإعادة إدماج لبنان في المسار الدولي، يرفض حزب الله هذا التوجه، مترقبًا مآلات التفاوض الإيراني ومتمسكًا بربط موقعه ووظيفته السياسية والعسكرية بمسار الصراع الإقليمي.

ويعكس هذا التباين اختلافًا جوهريًا في الرؤية: بين مقاربة رسمية تراهن على استعادة القرار السيادي، ومقاربة ميدانية ترى في توازن الردع أولوية.

وقد تعزز هذا الانقسام مع ما صرّح به الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي أكد أن “لا وجود فعليًا لوقف إطلاق النار”، معتبرًا أن ما يجري هو “اعتداء إسرائيلي – أميركي مستمر”، ورافضًا أي حديث عن “خط أصفر” أو “منطقة عازلة”، في موقف يعاكس المسار الدبلوماسي ويكرّس ازدواجية القرار.

وتظهر الوقائع الميدانية هذا الانقسام بوضوح. فبحسب Reuters، دُمّر أكثر من 90% من المنازل في بعض القرى الحدودية، فيما تجاوزت الخسائر 20 مليار دولار، وسقط أكثر من 2600 قتيل، وأُصيب أكثر من 8000 جريح، ونزح نحو مليون شخص. ولا يقتصر الدمار على الخسائر البشرية والاقتصادية، بل يمتد إلى بنية المكان نفسه، مع توسيع “الخط الأصفر” ليطال أكثر من 60 قرية عبر عمليات تجريف وتفجير ممنهجة تبدّد ذاكرة عمرها مئات السنين.

في هذا السياق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق ما وصفه بعملية “سلام إنسانية” تهدف إلى تحرير أكثر من 2000 ناقلة نفط وطاقمها البالغ نحو 20 ألف شخص، وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز أمام السفن العالقة منذ أكثر من شهرين.
إلا أن هذه المبادرة اصطدمت برفض الحرس الثوري الإيراني، الذي أكد أن لا تغيير في واقع المضيق، وأن المرور لا يزال يحتاج إلى تنسيق وموافقة إيرانية، في تطور يهدد بنسف المسار التفاوضي وإعادة إشعال المواجهة.

في المقابل، تعيد الولايات المتحدة توجيه حضورها العسكري، حيث تُقدّر كلفة الانتشار الخارجي بنحو 100 مليار دولار سنويًا، مع انتقال استراتيجي من القواعد العسكرية التقليدية إلى التركيز على تأمين الممرات الحيوية.

في سوق الطاقة، يبلغ الإنتاج العالمي نحو 75 مليون برميل يوميًا، منها نحو 27 مليونًا لدول OPEC (أي ما يقارب 37%).

غير أن خروج الإمارات العربية المتحدة من المنظمة، بإنتاج يقارب 3 ملايين برميل يوميًا، يشكّل ضربة للمنظومة النفطية الخليجية في لحظة حساسة.

ولا ينفصل هذا التحول عن الصعود التجاري للصين. فقد أنهت عام 2025 بفائض تجاري بلغ نحو 1.2 تريليون دولار، مع حجم تجارة خارجية تجاوز 6.3 تريليونات دولار.
وفي هذا الإطار، موّلت الصين بين عامي 2000 و2025 نحو 363 مشروعًا في 168 ميناءً حول العالم، بقيمة تقارب 24 مليار دولار، في سياق بناء شبكة نفوذ على خطوط العبور العالمية.

ولا يقتصر الحضور الصيني على الموانئ، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد، حيث تستحوذ الصين على نحو 25% من أسطول الحاويات العالمي، إلى جانب موقعها المتقدم في صناعة الحاويات نفسها، ما يمنحها تأثيرًا مباشرًا على تدفق التجارة العالمية.

كما يتوسع الصراع إلى مستوى العقوبات، مع استهداف الولايات المتحدة لمصافي صينية، في مقابل موقف صيني يرفض الامتثال الكامل، ما يحوّل النفط وسلاسل الإمداد إلى أدوات في المواجهة بين واشنطن وبكين.
وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين في 14 من الشهر الجاري معناها الاستراتيجي، كمحاولة لإدارة التنافس بين القطبين ومنع تحوّله إلى صدام مفتوح…

وكما كتب نيكولو ميكيافيلي:
«الحروب تبدأ حين تشاء، لكنها لا تنتهي حين تريد».

في موازاة ذلك، يبرز سؤال المرحلة: إلى أين يتجه الصراع؟

ترجّح المؤشرات أن واشنطن وطهران تتحركان نحو تسوية تدريجية قد تنهي صراعًا ممتدًا منذ نحو 47 عامًا، ضمن تفاهمات أوسع تشمل تنظيم تدفق الطاقة وإدارة التنافس الدولي.
في هذا المستوى من التعقيد، لا يعود السؤال من سيكسب الحرب… بل من سيتحكم بكلفتها.

هنا يكتسب اختبار اليوم في مضيق هرمز أهميته:
هل نحن أمام تصعيد جديد يعيد فتح أبواب المواجهة؟
أم أمام توازن هش يمهّد لاتفاق؟
إذا تحقق هذا المسار، فلن تبقى انعكاساته محصورة في المضيق، بل ستمتد إلى بنية التوازنات في المنطقة بأسرها… ولبنان في قلبها.
لكن هذه الفرصة، إن وُجدت، لن تكون تلقائية، بل تبقى رهنًا بقدرة الداخل اللبناني على التقاط اللحظة قبل أن تضيع كما ضاعت فرص سابقة.

إنها لحظة انتقال:
من توازن القوة… إلى توازن الاختناق.

 

 

مهندس معماري وكاتب سياسي
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 5/2/2026 11:27:00 PM
سجال واسع في لبنان بعد فيديو "ساخر"… وحذف المحتوى بإشارة قضائية
لبنان 5/3/2026 12:03:00 AM
توالت المواقف المستنكرة للإساءة الى البطريرك الرعي الذي تلقى سيلاً من الاتصالات المُدينة.
مجتمع 5/3/2026 10:03:00 AM
الوصول إلى "نساف البطرك" يُمثّل الإنجاز الأصعب في عملية فتح الطريق، نظراً إلى الطبيعة الجغرافية القاسية لهذه النقطة
فن ومشاهير 5/3/2026 4:44:00 PM
منذ تلك اللحظة، بدأ الربط الجماهيري بين شاكر و"العندليب الأسمر"...