أكتب لها
منذ قرون مضت وأنا أكتب لها، كلما حددنا موعد لقاء ولو للحظات معدودة تجتاحني أعاصير من الشوق والحنين تسبق الموعد المحدد ما بيننا وتذيب الوجع في بركان فؤادي، فأشعر بنارٍ تحرق أعماق روحي وحمم تنهال على أحاسيسي، فيغدو كياني جمراً من الألم. ثم على حين غرة يهطل مطر على أعصابي لبرهةٍ يروي غليلي ويحدثني عن ملتقى قريب سيحدث ما بيننا، فأهدأ ويخمد لهب الحنين ولكن جمره يبقى تحت رماد الخيال. فما يلبث الغيث المتساقط أن يتوقف حتى تعود نار التلهف والصبابة تشتعل من جديد ويثور بركان الحنين.
طوال سنوات وأنا راض بحالي لا ألحّ عليها لرؤيتها أو التحدث معها كل يوم، لأنني أتفهم وضعها الخطير في مجتمع خبيث يطلق الأحكام جزافاً على البشر ولا يتحقق من صحة النيات أو مكنونات القلوب ولا يعني له أي أمر نبيل، سامٍ ومحترم، بل يغتال الأرواح ويترك الأجساد حيةً تحت الذل والخجل فقط لأنه أراد بشره أن يتناولوا سمعة الناس مع فنجان قهوة بأسوأ الاحكام الظالمة صباحاً ومساء.
أتنفس وأتنهد ثم أكتفي بنظرة خاطفة صادقة منك تحكي لي ما يختلج في قلبك وترسم على شفتيك ابتسامة عاجلة تتوهج لبرهة كالبرق وتمحو كل ظلمات الشوق واللوعة فتطمئن روحي أن مسكنها مازال متيناً محصناً بحبنا الكبير ولا يخرقه أو يدخله أي مخلوق آخر في هذا الكون فأرضى بهذا القليل ووأطبب خاطري بأن ما حدث هو أعظم من كنوز العالم وكم أنا محظوظ ولكن كل هذا الحدث العظيم لا يتعدى برهة من الزمن فقط سريعة مباغتة وحينما تغيب عن نظري أجلس على شاطئ التأمل والأمل أمسك بقلمي وأخط من مداد روحي رحيق رابطنا الأزلي فأغدو سكراناً جذلاناً مجنوناً في مشاعري أطلقها أسراباً في فضاء روحي وتتناثر أزهاراً فواحة على كياني فأدرك قيمة ما خلقه الله في أعماقي. بعد هدوء عاصفة المشاعر تلجأ الروح إلى الرقاد مغمورة بأريج حبنا الوجداني الطاهر وتستلم إلى النوم قانعة راضية بتلك اللحظات للبقاء حية قوية واعدة لا تقهر.
نبض