"وكانت يد الربّ معهم"
الاب ايلي قنبر
1-"أَعطيني لِأَشرَب"
يعطش المرء لأكثر من سبب. يسعى إلى الماء ويصعب الأمر عندما لا يجده أو لا يعطيه أحد ليشرب. ويكون الأمر أصعب على صعيد العطش إلى الآخَر: "عطشان يا صبايا، دلّوني على السبيل"، أغنية تحكي عن عطش المشتاق إلى الحبيبة التي لا تبالي به: "عطشان مجروح وبغني وإنتِ في غناي وفني". معاناته طويلة ويفيد بأنّه "قليل الحيلة والسكّة طويلة"، فيستنجد بالصبايا ليصل إليها: "دي ليالي الصبر تقيلة بقضّيهم في المواويل".
هناك كلام ليسوع فيه إشارة إلى حُسن الصنيع وإلى المُجازاة: "مَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ كَأْسَ مَاءِ بَارِدٍ فَقَطْ بِاسْمِ تِلْمِيذٍ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ". يركّز "إبن الانسان" على مراعاة الآخَر في كلّ شيء وفي كلّ الظروف من باب المحبّة التي ترعى الجميع.
ويُحيلنا الناصريّ إلى بُعد آخَر، وجوديّ وعميق الأثَر، يذهب بنا إلى مطرح لم نكن لنعرفه لولا اختبار يسوع مع المرأة السامريّة. يحكي لنا الانجيليّ يوحنّا عن مشهدٍ في الطريق إلى سيخار من السامرة، وتحديداً عند عينُ يَعقوب. إذ "كانَ يَسوعُ قَد تَعِبَ مِنَ ٱلمَسيرِ، فجَلَسَ عَلى ٱلعَينِ، وَكانَ نَحوُ ٱلسّاعَةِ ٱلسّادِسَة"، وكان عطشاناً لكن لم يكن لديه ما يستقي به من البئر. وإذا بامرأةٍ سامريّة تأتي لتملآ جرّتها بحيث "وافق شنٌّ طبقة".
2-الحبّ فينا طاقة كامنة
حصل اللقاء بين يسوع والسامريّة على أرضٍ وثنيّة من طريق المصادفة. وكان لقاء بالغَ القوّة والعمق، جعل كلًّا منهما يكشف ذاته للأخر. تعارفا في لقاءٍ عابر بسيط، تجاوزا فيه المحظور. صرّحت: "إنّه لا رجل لي"، وأعلن: "أنا الذي أكلّمك هو" (الماسيّا). إستنارا من عظمة الكشف والاكتشاف المتبادل، فكان سرّ الّلقاء!
كان هدفهما مشترَكاً: الارتواء المتبادل بعد مسير في فترة الظهيرة الحارّة. عبّر عن عطشه وسمح لها أن تعبّر بالمقابل عن عطشها. كسر يسوع حاجز المسافة الفاصلة أي "حاجز العداوة" لِلقاء المرأة: "كَيفَ تَطلُبُ أَن تَشرَبَ مِنّي وَأَنتَ يَهودِيٌّ وَأَنا ٱمرَأَةٌ سامِرِيَّةٌ؟ وَٱليَهودُ لا يُخالِطونَ ٱلسّامِريّين". فأردف: "لو كُنتِ تَعرِفينَ عَطِيَّةَ ٱللهِ وَمَنِ ٱلَّذي قالَ لَكِ أَعطيني لِأَشرَبَ، لَكُنتِ تَسأَلينَهُ فَيُعطيكِ ماءً حَيّاً". وما هو الماء الحيّ؟ هو "ٱلماءُ ٱلَّذي يعطيهِ (يسوع) ويَصيرُ في (الانسان) يَنبوعَ ماءٍ يَنبُعُ إِلى ٱلحَياةِ ٱلأَبَدِيَّة". ماء يتحوّل في كلّ مَن يتلقّاه إلى ينبوع مصدره "الحياة الأبديّة"، أي "الإلَه الحقيقيّ وحده والذي أرسَله يسوع المسيح". الماء الحيّ هو روح يسوع القدّوس الذي يُحيي وجه الأرض ويُجدِّده.
وما لبث الحوار أن اشرأبّ وذهب بهما إلى مطرحٍ بعيد لم تكن المرأة لتتوقَّعه. أن يتمّ الّلقاء المُشتهى بالماسيَّا أمر ليس بالحسبان! وأن تفقه معنى العبادة بالروح والحقّ لأمرٌ إستثنائيّ حصل لها أولًا ودون الرسُل أنفسهم، الذين "تَعَجَّبوا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ ٱمرَأَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَم يَقُل أَحَدٌ ماذا تُريدُ أَو لِماذا تُكَلِّمُها". ولشهادتها وكرازتها أمام مواطنيها، تمتّع هؤلاء بدورهم بمعرفة يسوع شخصيّاً، إذ دعَوه ليُقيم عندهم. ومكث في السامرة يومَين لأن "طَعامي أَن أَعمَلَ مَشيئَةَ مَن أَرسَلَني وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ". وفيها "آمَنَ أُناسٌ أَكثَرُ مِن أولَئِكَ" (الذين دعَوه) "لِأَنّا قَد سَمِعنا وَعَلِمنا أَنَّ هَذا هُوَ بِٱلحَقيقَةِ ٱلمَسيحُ مُخَلِّصُ ٱلعالَم"، لا "الملك"ولا "بيبي".
وهكذا يعلن لنا الحبّ طاقةً كامنة فينا ينبغي إيقاظها وتفعيلها. مفهوم؟
3-و"َكانَت يَدُ ٱلرَّبِّ مَعَهُم"
لم يُطِق اليهود البشارة باسم يسوع- "مسيح الربّ"، فضيّقوا على الرسل والجماعة- الذين "كان كلّ شيء مشترَكاً بينهم"، متضامنين متكافلين فـ"كانت يد الربّ معهم"، فتَبَدَّدَوا "مِن أَجلِ ٱلضّيقِ ٱلَّذي حَصَلَ بِسَبَبِ ٱستِفانُسَ" و"ٱجتازوا إِلى فينيقِيَةَ وَقُبرُسَ وَأَنطاكِيَةَ". وهناك كرزوا بالإنجيل لليهود أوّلاً، "فآمَنَ عَدَدٌ كَثيرٌ وَرَجِعوا إِلى ٱلرَّبّ". لكن يهود اليوم يتوزعون بين متمسّكين بمعتقداتهم وآخَرين متشدّدين عنصريّين إلى صهيونيّين وحوش بشريّة.
الضيق يلاحق المسيحيّين حتّى يومنا هذا في مناطق عديدة من العالم. هم يتحمّلون الاضطهاد والملاحقات والسَجن حيناً، ويُشتمون ويُشنّع عليهم حيناً آخر. وما مضايقة ترامب ورَبعه من "المسيحيّين الصهيونيّين" للبابا لاوون وكاثوليك أميركا خصوصاً إلّا دليل على الخطّة الممنهجة التي وصمَت نفسها بها الصهيونيّة. بينما لاوون الرابع عشر يصرّح: "أدعو جميع الناس إلى البحث عن سبل بناء جسور السلام والمصالحة، والبحث عن طرقٍ لتجنب الحرب كلما أمكن ذلك". ويوضّح: "لا أخشى إدارة ترامب ولا أخشى التحدث علناً عن رسالة الإنجيل، وهو ما أعتقد أنني هنا لأجله، وما هي مهمة الكنيسة. لسنا سياسيين، ولا نتعامل مع السياسة الخارجية بالمنظور نفسه الذي قد يفهمه هو. لكني أؤمن برسالة الإنجيل، بصفتي صانع سلام".
بعضنا يشكو ليس إلّا، لا يفعّل الوزنات المعطاة له، كما جاء في مطلع المقالة على لسان المطرب العطِش إلى ماء الحبّ: "قليل الحيلة والسكّة طويلة".
في حين علينا أن نُعنى بعطش الآخرين بدلاً من الانكفاء حول صرّتنا. ولنتعلّم من يسوع كيف نوزّع الماء الحيّ ، محترمين حريّة الآخَر وبلا إدانة له إذا لم يتّبع يسوع.
ختامًا، هل نتبنّى قَولة قائدٍ كنسيّ: "كونوا رسلاً، ولا شيء غير رسل".
نبض